مصر تدخل تاريخا سياسيا جديدا (الفرنسية)

هزت الانتفاضة الشعبية ضد حكم الرئيس المصري حسني مبارك الدعائم المدنية لحكمه متمثلة في قوات الشرطة والحزب الوطني الديمقراطي الحاكم والجهاز الإعلامي.
 
وباتت حكومة مبارك تواجه صعوبة لفرض نفس القدر من السيطرة الذي كانت تتمتع به قبل أسابيع فقط جراء تلك الضربات التي تلقتها المؤسسات الثلاث، وهو ما يجعل الجيش حاليا الفيصل في تحديد مصير البلاد، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.
 
وما زال ظهور قوات الشرطة غير منتظم بعد ما يقرب من أسبوعين من اختفائها تاركة فراغا أمنيا أفسح المجال أمام جرائم السلب والنهب، كما تمت إقالة وزير الداخلية الحبيب العادلي الذي سيخضع للمحاكمة.
 
واستقال السبت الماضي كافة أعضاء هيئة مكتب الحزب الحاكم بمن فيهم سياسيون خدموا في عهد مبارك سنوات طويلة.
 
ومع ترك مبارك للسلطة في سبتمبر/أيلول القادم على الأكثر يتساءل البعض هل سيتمكن الحزب من الحفاظ على بقائه؟
 
كما أن مصداقية الجهاز الإعلامي الشديد الولاء لمبارك اهتزت بقوة، فمحاولاته المتكررة لتجاهل الانتفاضة التي شلت البلاد أو إساءة تفسيرها أفقدته المصداقية لدى كثير من المشاهدين الذين أصبحوا يتابعون القنوات الفضائية الخارجية.
 
واحتجاجا على ذلك توقف اثنان على الأقل من العاملين في المجال الإخباري عن العمل.
 
وبالنسبة للمحتجين بميدان التحرير في القاهرة فإن الخطوات التي اتخذت من الحزب الحاكم وتغيير وزير الداخلية لا تمثل سوى خطوات تكتيكية لامتصاص الغضب العام.
 
لكن داخل الحكومة ذاتها يمثل رحيل مسؤولين خدموا سنوات طويلة في عهد مبارك ابتعادا جذريا عن الماضي.
 
الانتفاضة دفنت فكرة التوريث للأبد(الفرنسية)
دور محوري
ففي القاهرة يرى كثيرون أن التغيرات تظهر أن دور مبارك تضاءل بالفعل، وزاد من ذلك الإحساس الدور المحوري الذي أصبح يلعبه نائب الرئيس عمر سليمان.
 
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى كامل السيد "هناك انطباع عام بأن قوات الأمن تفككت ونفس الشيء بالنسبة للحزب الوطني الديمقراطي".
 
وأضاف "بتفككها تركت الساحة السياسية فارغة تقريبا إلا من القوات المسلحة لتستعيد الوضع الذي كانت عليه في بداية ثورة 1952".
 
وعلى مدى ثلاثة عقود لعبت وزارة الداخلية والحزب الحاكم دورا أساسيا في تشكيل حكم مبارك، فالحزب ضمن سيطرة مبارك على البرلمان، والداخلية بسطت سيطرته على الشارع من خلال تنفيذ قانون الطوارئ الذي كتم أصوات المعارضة.
 
وشغل حبيب العادلي منصب وزير الداخلية على مدى 13 عاما إلى أن أقيل بسبب الأحداث الأخيرة، وجاءت استقالة صفوت الشريف يوم السبت الماضي من منصب الأمين العام للحزب الحاكم مع بقية أعضاء هيئة مكتب التنظيم بعدما ظل في قلب الحكومة لعقود.
 
وتحشد المؤسستان قواهما كل خمس سنوات خلال الانتخابات البرلمانية إذ تلجأ الشرطة للقوة لمساعدة مرشحي الحزب الحاكم على ضمان الفوز في الدوائر التي يواجهون فيها معارضة تتمثل أساسا في جماعة الإخوان المسلمين.
 
وظل الحزب الحاكم رمزا للمحسوبية والفساد والتلاعب في الانتخابات، أما الشرطة فكانت رمزا للوحشية، وسمعة الاثنين معا تفسر قدرا كبيرا من الغضب الذي أثار احتجاجات لم يسبق لها مثيل على حكم مبارك.
 
وأشعلت النيران في مقار الحزب الحاكم في مناطق مختلفة من البلاد، ومع ترك مبارك السلطة بحلول سبتمبر/أيلول المقبل على الأكثر يعتقد البعض أن الحزب قد يتعرض للحل.
 
أما بالنسبة للشرطة فقد قال عمر سليمان إن خروجها من حالة الفوضى التي حلت بها في الأيام التي أعقبت اندلاع الاحتجاجات يوم 25 يناير/كانون الثاني الماضي قد يستغرق بضعة أشهر. وشكلت إقالة العادلي هزة قوية في حكومة يندر فيها التغيير.
 
ويريد المصريون أن يعرفوا لماذا غاب رجال الشرطة عن الشارع في الأيام الأولى من الاحتجاجات.
 
الجيش المصري ما زال يلتزم الحياد في انتفاضة مصر (رويترز)
تساؤلات
فقوات الأمن ربما عجزت عن التصدي لقوة المتظاهرين لكن كثيرين يرون أن اختفاء العناصر الأخرى من جهاز الشرطة الضخم كان مؤامرة لإحداث حالة من الفوضى وانعدام الأمن.
 
فما من تفسير بعد -على سبيل المثال- لسماح حراس السجون لعدد غير معلوم من السجناء بالهرب.
 
ويقول الضابط السابق بالقوات المسلحة المصرية والخبير بالشؤون الأمنية صفوت الزيات "تدور أحاديث كثيرة عن مؤامرة وعن أن هذا كان متعمدا".
 
وازدادت وزارة الداخلية قوة في عهد مبارك وعمل بها أكثر من مليون شخص بينهم مخبرون وإداريون وعاملون بأجهزتها الأمنية المتعددة، وارتفعت مكانتها خلال حملة السلطات على من يوصفون بالمتشددين الإسلاميين في التسعينيات.
 
وفي مقابلة تلفزيونية أذيعت قبل أيام انتقد سليمان أداء الشرطة بقوة، وقال إنه سيحقق لمعرفة ما حدث، حيث رد حينما سئل عن عدم إعادة انتشار تلك القوات الشرطة "من الذي قال لهم أن لا يعودوا؟".
 
كما أشار سليمان في حديثه إلى الأثر السلبي الذي تركته مجموعة من رجال الأعمال على الحكومة.
 
وقاد جمال مبارك نجل الرئيس المصري الأصغر وأحد الشخصيات التي غادرت الحزب الحاكم، مسعى لإصلاح الحزب وتعزيز صورته بين الجماهير. وأثار صعوده السريع داخل الحزب تكهنات بأنه يجري إعداده لتولي الرئاسة.
 
وضعف هذا الافتراض عندما عين مبارك نائبا له ممثلا في سليمان الذي يتميز على غرار الرئيس بكونه شخصية عسكرية ويفترض على نطاق واسع أنه يحظى بدعم الجيش.
 
ورغم أن كل رؤساء مصر جاؤوا من المؤسسة العسكرية منذ الإطاحة بالملك فاروق عام 1952 لم يلعب الجيش دورا بارزا في الشؤون الداخلية.
 
ومنذ حرب 1967 ومع انهيار ركائز حكم مبارك، يبدو الجيش كمن يمسك بزمام الأمر بين المحتجين والحكومة، ويحاول الجيش حتى الآن أن يتخذ موقف الحياد.
 
وفي هذا الإطار قال الزيات "الحياد موقف ذكي"، مضيفا أن "الجيش ينتظر نتيجة الحوار بين ما تبقى من المؤسسة الحاكمة والتنظيمات السياسية والحركات الاحتجاجية".
 
وأكد أنه "إذا لم يتوصلوا لاتفاق يرضي الشارع المصري فقد يتصرف الجيش إن شعر أن الأمور تتدهور".

المصدر : رويترز