جانب من المظاهرات بميدان التحرير في يوم الشهداء (الجزيرة)

أنس زكي - القاهرة

يشعر المتابع للإعلام المحلي في مصر بكثير من العجب عندما يطالع الصحف الحكومية أو يشاهد ما يجري بثه من برامج ومواد إخبارية على شاشات القنوات الحكومية والخاصة بالتزامن مع الثورة الشعبية التي اندلعت منذ 25 يناير/كانون الثاني الجاري متركزة في ميدان التحرير الواقع في قلب القاهرة والعديد من المدن الكبرى خصوصا الإسكندرية والسويس.

في بادئ الأمر، أجمعت وسائل الإعلام هذه -إلا القليل منها- على انتقاد المحتجين بل والسخرية من حركتهم واتهامهم بإثارة القلاقل والشغب رغم الطابع السلمي الواضح لحركتهم، لكن الأمر سرعان ما تغير ولكن ليس بوتيرة واحدة، حيث يمكنك أن تلمس في وسائل الإعلام الحكومية تغيرات شبه يومية ترتبط بالموقف ومدى تقدم الثورة أو قدرة النظام على التقاط الأنفاس.

بعد أيام من اندلاع الشرارة وبعدما ظهرت قوة الثورة وإصرار الشباب القائمين عليها، غيّر التلفزيون المصري كثيرا من لهجته إزاءها، وبدأ يظهر تفهما لها، لكن ما إن هجم "البلطجية" على المتظاهرين حتى عاد ليتحدث عن الثوار كأنهم بعض المارقين ليس إلا.

لكن ما حدث صبّ في النهاية في قوة وصمود الثوار، فتغير الإعلام الحكومي مجددا وبدأ التلفزيون يستضيف عددا من الشباب الثائر في برامجه الشهيرة بدعوى منحهم الفرصة للتعبير عن مطالبهم والاستماع لآرائهم.

لكن الأمر بدا في حقيقته مختلفا عن ظاهره، فكل هذه البرامج تقريبا تبدأ بالإشادة بالثورة التي أشعلها الشباب بل وتقر بأنها جاءت نتيجة طبيعية لانتشار الظلم والفساد والتزوير، ثم سرعان ما يتحول مقدمو البرامج بوضوح إلى محاولة الدفاع عن الرئيس حسني مبارك وإلصاق المسؤولية عن هذه الأوضاع السائدة بالحكومات المتعاقبة أو بعض المسؤولين أو أي أحد باستثناء الرئيس.

وعندما يجادل الشباب المستضافون في هذه البرامج ويقدمون حجتهم بشكل يبدو منطقيا ومقنعا، يسعى مقدم البرنامج لاتخاذ منحى آخر، فيقر بشرعية مطالبهم، لكنه يضيف سريعا أن الرئيس قدم لهم ما يريدونه وأقدم على إقالة الحكومة وتعيين نائب له، كما أن محاسبة المفسدين قد بدأت ولن تتوقف.
 
متظاهرون في ميدان التحرير يحملون
صورة أحد الشهداء الشباب (الجزيرة)
لباقة وتمكن
النماذج التي استضافها التلفزيون المصري خلال الأيام الماضية من شباب المحتجين أظهرت لباقة وتمكنا واضحين في طرح مطالبهم.
 
لكن المذيع أيضا كان جاهزا سواء بنفسه أو غالبا بضيوف آخرين يقدمون أنفسهم على أنهم شخصيات مستقلة تتفهم الثورة وتدعمها، لكنهم لا يملون من المناورة من أجل إبعاد أي تهمة عن رأس النظام حتى لو ضحوا بأي شخص أو جهة أخرى داخلية أو خارجية.

الناشطة إسراء عبد الفتاح فاض بها الكيل عندما استضافها التلفزيون المصري أمس وجهرت باعتراضها على أن الوقت الذي منح لها كان دقائق معدودة مقابل منح وقت مفتوح للآخرين، مع أن الموضوع المعلن للحلقة كان الاستماع لمطالب الشباب الثائر.

وحاول مقدم برنامج "مصر النهارده" إقناعها بأن مطالب الشباب تتحقق وأن عليهم العودة إلى منازلهم والثقة في الرئيس، لكنها ردت بوضوح وجرأة لتؤكد له أن المطلب الرئيسي وهو رحيل الرئيس لم يتحقق، وأن الشباب لا يمكن أن يثق في نظام ظل يخدعه ويقدم وعودا زائفة على مدى 30 عاما.

إسراء أيضا لفتت النظر إلى ما لمسه الشباب من استعلاء في خطابي الرئيس، وقالت إنه استنكف عن تقديم العزاء لأسر شهداء الثورة الذين سقطوا على يد الشرطة أو البلطجية، كما أنه عندما أعلن أنه لن يترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة استنكف أن يرجع ذلك إلى مطالب المحتجين وقال إنه كان ينوي ذلك منذ فترة طويلة.

وعبر ناشط آخر عما يجيش في نفوس الشباب من عدم ثقة بالنظام، إذ أكد أن الشباب ماضون في إكمال ثورتهم، وقال إنهم يدركون أنهم لو اكتفوا "بنصف ثورة" فكأنما حفروا قبورهم بأيديهم.
 
الشباب لمسوا استعلاء في خطابي مبارك (الجزيرة)
القنوات الخاصة
أما قنوات التلفزيون الخاصة فكان أمرها غريبا، حيث قدمت في معظمها تغطية فاترة للثورة في أول أيامها، وهو ما أرجعه البعض إلى أن ملكيتها تعود لرجال الأعمال الذين يرتبط بعضهم بالنظام حتى لو كان أحدهم رئيسا لحزب معارض شهير.

وتغير الحال بعد ذلك فبدأت هذه القنوات في الاعتراف بشرعية الثورة وتفهم مطالب المحتجين، لكنها عادت أيضا لتركز على أن الرئيس قدم الكثير من التنازلات، وأن ما يصر عليه الثائرون من رحيل الرئيس وحل البرلمان هو أمر تعترض تحقيقه العديد من المصاعب الدستورية، رغم أن هذا الدستور كثيرا ما تم التلاعب به خلال السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه، اشتركت كل وسائل الإعلام المحلي تقريبا في التركيز على غياب الأمن وتوقف النشاط الاقتصادي في الفترة الماضية، وسعت -ولو بطريقة غير مباشرة- لإلقاء اللائمة على المحتجين من أجل خلق رأي عام يلهي الناس بمصالح آنية، لتجاهل ثورة يمكنها تحقيق الكثير.

المصدر : الجزيرة