ثورة مصر تطمح إلى إنهاء التكلس الذي أصاب البلاد (الفرنسية)    

مجدي مصطفى
 
صاحبت تراجع الدور الخارجي والإقليمي لمصر منذ عقود -وبالتحديد منذ توقيع معاهدة كامب ديفد- حالة من الجمود الداخلي الذي طال مختلف الأوضاع السياسية الاجتماعية والاقتصادية وحتى التعليمية والصحية.
 
ودفع طول حالة الجمود العقلاء والغيورين على مصر إلى التحذير -منذ سنين- من انفجار سيحدث لا محالة إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، لكن القيادة السياسية أصمت أذنيها وتعامت، متجاهلة تلك التحذيرات ومطمئنة إلى أداة البطش التي لديها.

وإذا كان جيل الشباب الذي أشعل تلك الثورة لم يعش لحظات الحضور الفاعل لمصر إقليميا ودوليا، فإنه عاش وعانى بلا شك حالة الجمود والتراجع الداخلي، متألما لحالة الفساد الذي وصل "إلى الركب" باعتراف أحد أركان نظام الرئيس حسني مبارك نفسه قبل أربع سنوات في مجلس الشعب.
 
والواقع المعاش في الداخل يجعل المصريين يطالبون بما هو أفضل لأنهم يستحقونه بالفعل، لكن الفساد وحالة التكلس التي أصابت النظام وأركانه باتت عاجزة عن ذلك.
الفساد
حسني مبارك
ويتذكر الجيل الذي عاصر بداية تولي مبارك مقاليد السلطة أن الرجل أعلن حربا على المفسدين في نظام سلفه الرئيس محمد أنور السادات، معلنا أن "الكفن ليست له جيوب".
 
وقدم عدد منهم إلى المحاكمة وأبرز تلك الأسماء عصمت السادات شقيق الرئيس الراحل أنور السادات، ورشاد عثمان، فاستبشر الشعب خيرا، لكن بمرور الأيام ومن بعدها السنين بل عشرات السنين، تجذرت حالة الفساد، وتضاعف عدد المفسدين.

نصح البعض مبارك في بداية عهده بإطلاق مشروع قومي يكسبه شعبية على غرار مشروع بناء السد العالي في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي حقق له شعبية كبيرة في الداخل، فأطلق مشروع "الصحوة الكبرى لسداد ديون مصر".
 
ولم يلبث المشروع أن مات وجرفه تيار الفساد سريعا لتتضاعف الديون يوما بعد آخر، فارتفع إجمالي الدين العام المحلي إلى 686.5 مليار جنيه في نهاية شهر مارس/آذار الماضي، كما ارتفع الدين الخارجي ليصل إلى 32.8 مليار دولار حسب تقرير للبنك المركزي المصري.
 
بطالة
واكب هذه الحالة ارتفاع معدلات البطالة في مصر لتشمل قطاعات كبيرة من المتعلمين وخريجي الجامعات وصلت نسبتها حسب الإحصاءات المصرية الرسمية إلى 10%، بينما تفيد إحصاءات أخرى أن الرقم يصل إلى الضعف، كما وصلت نسبة من يعانون الفقر إلى 41% من إجمالي عدد السكان حسب تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2009، كما تزايدت حالة الأمية في قطاع كبير من المجتمع. 
 
وأمام تفشي هذه الأزمات كانت حجة النظام الجاهزة التي تتردد دائما على لسان الرئيس مبارك في خطاباته هي الزيادة السكانية، فلا يكاد يخلو خطاب له من التحذير من أن الزيادة السكانية هي المعوق الأول لطريق التنمية.
 
   أواني الطهي خوذة لحماية المتظاهرين
الحريات
وعلى مدى الثلاثين عاما الماضية كان موضوع الإنجاز الوحيد الذي يتباهي به نظام مبارك هو حرية التعبير وإطلاق حرية تكوين الأحزاب، على الرغم من حالة الطوارئ التي لا تزال مفروضة في البلاد منذ اغتيال الرئيس السابق أنور السادات.
 
لكن هذا التباهي كان محل نظر، خصوصا أن حرية التعبير لم تخرج عن كونها "حرية الصراخ، وليست حرية العض"، كما أن القوى السياسية المؤثرة لا تزال محجوبة عن الشرعية رغم حضورها في الشارع، والأحزاب الـ24 لا يكاد يعرف أحد من أسمائها إلا أربعة فقط على أحسن تقدير.
 
ولم يتردد النظام السياسي المصري في شطب حزب العمل أقوى أحزاب المعارضة من الخارطة السياسية في مصر عام 2000، ويغلق صحيفته "الشعب" ويشرد صحفييها والعاملين فيها.
 
مجالس ونقابات 
لم يكن وضع الانتخابات المحلية والبرلمانية بأسعد حالا، فالأولى قاصرة على الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، والثانية تكاد تكون كذلك، على الأقل حسب نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حيث وجد نواب الحزب الحاكم أنهم وحدهم في البرلمان يبحثون عن معارض.
 
ولم تسلم النقابات المهنية في مصر -بعد أن سجلت شفافية في انتخاباتها ومجالسها وأدائها في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي- من يد النظام الذي سارع إلى تكبيلها وتأميمها، وإجهاض تجربتها، كما امتدت يد التكبيل نفسها إلى الجامعات.
 
واكب هذا كله تغليظ أداة البطش متمثلة في وزارة الداخلية وأجهزتها، التي أصبحت وظيفتها سياسية، لتأمين النظام، أكثر منها لتأمين الشعب، فاستشرت الجرائم بصورة غير مسبوقة، وأفرزت صورا جديدة على المجتمع.
 
ومع تزاوج السلطة ورأس المال، أصبح حديث الفساد والكوارث الناجمة عنه في مصر من باب الكوميديا السوداء، فمن غرق العبارة، إلى انهيار الدويقة، إلى الحرائق وحوادث القطارات، إلى صفر المونديال الذي أصبح مادة للتندر، لكن يبدو أن هذه القضايا كانت تعتمل بصمت في نفوس جيل الشباب الذي فاجأ الجميع بثورته الحالية.
 
تراجع
تأزم الوضع الداخلي لمصر ولم يكن الدور الخارجي لها بأسعد حالا، مما جعل الغيورين على مصر من شعبها وأشقائها يتألمون لغياب "الشقيقة الكبرى"، سواء في المحيط العربي أو الأفريقي أو الإسلامي، وهي الدوائر الثلاث لتحركات مصر الخارجية.
 
وقزمت توابع كامب ديفد الدور المصري عربيا وجعلته محصورا في ضمان أمن إسرائيل التي تبدو الوحيدة المتمسكة بالنظام الآن.

وفي لحظات الاختبار الحقيقية التي توجهت فيها أنظار العرب إلى مصر -سواء في حرب العراق الأولى أو الثانية- كان الدور باهتا، ومبررا لما قامت به الولايات المتحدة.
 
 وفي أزمات السودان -سواء في دارفور، أو في الجنوب- كان الدور شبه غائب ولا يتناسب مع حقائق الجغرافيا، وميراث التاريخ، ولم يكن غريبا والحال كذلك أن تستأسد دول المنبع في حوض النيل مطالبة بتعديل اتفاقية توزيع المياه.
 
الحقائق التي تعيد الثورة الحالية في مصر تأكيدها هي أن الدور الداخلي والخارجي لمصر متلازمان، وأن تعافي الأول يستلزم بالضرورة حضور الثاني، ومن ثم تتطلع مصر شعبا ومعها الشعوب العربية جميعا إلى نجاح تلك الثورة لتستعيد مصر المكان والمكانة.

المصدر : الجزيرة