المتظاهرون يؤدون الصلاة ويؤكدون سلمية الاحتجاج (الجزيرة نت)
 
الجزيرة نت-القاهرة

في ساحة ميدان التحرير بقلب القاهرة وبين أزقته يقضي المتظاهرون المطالبون برحيل الرئيس حسني مبارك ساعات ليل طويلة بين الهتاف وحفلات السمر والاستماع للأخبار وإقامة الصلوات، في مشهد لا يغيب عنه النشاط ولا تنقصه الحاجات الأساسية بعدما عج المكان بالباعة والمتطوعين الذين وجدوا فيه سوقا خصبا لبضاعتهم وأحيانا لمواهبهم.
 
يمر الداخل لميدان التحرير بأطواق أمنية متعددة لكشف الهوية والتفتيش نصبها متطوعون بدعم من الجيش، قبل أن يشعر أنه انتقل إلى كرنفال شعبي.
 
مسارح خشبية في أركان الميدان الواسع تعرض عليها الخطب والأناشيد وتذاع من على منصتها الأخبار العاجلة وتنصب بجوارها شاشات عملاقة لا تنقل جميعها سوى البث المباشر لقناة الجزيرة، وإن عانى المنظمون طيلة الوقت في تعقب تردداتها التي كتبها الناس على أرض الميدان وحوائطه ولافتاتهم وحتى ملابسهم.
 
يفترشون الأرض ويقولون إنهم لن يرحلوا ما لم يرحل الرئيس (الجزيرة نت)
باقون
في قلب الميدان وفوق أعشاب حديقته الرئيسية والحدائق الفرعية افترشت آلاف العائلات، التي حضرت بكامل أفرادها الأرض، وبعضهم احتمى بخيام صغيرة من البرد.
 
يتبادل الحاضرون رؤى سياسية واجتماعية والحوار بين جيلي الشباب والكهول وشرائح تعليمية واقتصادية متفاوتة، يقول متظاهرون إنها لم تستمع من قبل لبعضها إلا في الميدان.
 
المهندس أحمد عبد العزيز وزوجته راندا وطفلتهما مريم قالوا إنهم قضوا ثلاث ليال بالميدان ولا يغادرونه إلا ساعات قليلة يعيدون خلالها التزود بالمؤن والأطعمة، ويؤكدون أنهم لن يبرحوا الميدان إلا بسماع خبر تنحي مبارك.

أما سامح وهو طالب بالسنة النهائية بكلية التجارة فقال إنه يتبادل وشقيقه التوأم ما بين الحضور للميدان ومشاركة شباب شارع بحلوان حراسة المنطقة ضمن اللجان الشعبية.
 
ويضيف أحمد أن الأزمة رغم مرارتها جعلته يكتشف أهميته المفقودة كشاب، وأيقظت مشاعر رقيقة تجاه الناس والوطن لم يكن يعرف أنها بداخله، وقال "كنت مصدق كلام الناس إننا شباب بلا قدوة أو هدف، اليوم أحسست بمدى الحب لكل الناس وأن كل الشباب يحب مصر".
 
الأستاذ مسعد الجارحي الذي قدم من السعودية عبر مطار القاهرة إلى ميدان التحرير دون الذهاب إلى بيته ورؤية أهله بمحافظة المنوفية -مسقط رأس مبارك- قال إنه قضى عشرين عاما في الغربة رغم أنه ميسور الحال لأنه "سئم من المعاملة غير الآدمية له في أقسام الشرطة والمصالح الحكومية".
 
وأضاف "المصريون في الخارج لم يشعروا بكرامتهم إلا عندما خرج الشباب في 25 يناير/ كانون الثاني" وناشد الجيش المصري "ألا يسمح بمذبحة جديدة يوم الجمعة كتلك التي ارتكبتها الشرطة يوم جمعة الغضب الماضية".
 
أمور لافتة
أما في أجواء الاعتصام الاحتجاجي، فتطفو على المشهد أمور لافتة، فالبعض يقضي الليل في لقاءات ونقاش تجتمع فيها مختلف التيارات ما بين إسلامية وليبرالية وعلمانية ومنهم البسطاء الذين قد لا يفقهون تلك المسميات.
 
وهناك أيضا حلقات السمر حيث العود والدف وأغاني الشعراء الثوريين كأحمد فؤاد نجم أو الصاعدين مثل هشام الجخ، وهناك من التف حول الشعراء الذين  اعتمدوا القصائد السياسية قواما رئيسيا لعروضهم.
 
أما الرسامون فقد انشغلوا في كتابة اللافتات يعاونهم بعض الموهوبين في تأليف الشعارات والهتافات، كما توجد الجلسات الدينية التي يقضي أعضاؤها الليل في قراءة القرآن، وهناك الغالبية المتنقلة من المحتجين الذين يقضون وقتهم متنقلين بين هذه الجلسات المختلفة.
 
ميدان التحرير يشهد حياة كاملة رغم البرد ومخاطر التعرض لهجمات (الجزيرة نت)
مشهد متكامل
وعلى هامش هذا كله، انتشر البائعون الذين قفزوا إلى المشهد بسرعة تماثل سرعة انهيار اقتصاد الوطن نتيجة الفلتان الأمني وانتشار السلب والنهب بعد انسحاب الشرطة من الشوارع والمواقع.
 
ويرى المراقب بائعي "الكشري" الأكلة الشعبية التي أضحت "الوجبة الرسمية" للمحتجين، وبائعي الشاي وبطاقات شحن أرصدة الخطوط النقالة والحلويات والفاكهة والعصائر والمياه المعدنية والسجائر وغيرهم ممن يقطنون المناطق القريبة والذين يستطيعون دخول الميدان رغم حظر التجوال المفروض في غالبية ساعات الليل والنهار.
 
وجه حضاري
لكن اللافت لهذا المشهد الحاشد ذلك الوجه الحضاري الذي سيطر على سلوكيات مئات الآلاف من المصريين الذي حشروا في الميدان، فلا شكوى من معاكسة للفتيات رغم وجودهن بأعداد كبيرة داخل الاعتصام، ولا شجار على مكان للنوم أو الجلوس، ولا اقتتال في طوابير وقف فيها المحتجون ربما ساعات لنيل وجبة بسيطة من بعض المطاعم القريبة من الميدان والتي فتح بعضها متحديا قرار الحظر.
 
ولعل في حرص الشباب والفتيات وحتى السيدات اللواتي يبدو عليهن يسر الحال، على تنظيف الميدان باستمرار، وجها حضاريا ومكسبا وطنيا مضافا لإنجازات المرابطين في الميدان، الذين كما اجتمعوا على حماية وطنهم حتى من الأتربة على أرض الميدان، اتفقوا في رؤيتهم للحزب الوطني الذي كان حاكما عندما جمعوا قمامة الميدان على العربات المحترقة أو الأركان البعيدة ووضعوا فوقها لافتة "هنا المقر الجديد للحزب الوطني".

المصدر : الجزيرة