التونسيون خلعوا بن علي (يمين) والمصريون يسعون لخلع مبارك (الفرنسية-أرشيف)

عماد عبد الهادي
 
انطلقت الشرارة الأولى لما يمكن أن يطلق عليه هبة الشعوب العربية ضد الفساد والاستبداد من تونس، وما لبثت أن وصلت تلك الشرارة إلى مصر، رغم أن أيا من نظامي الدولتين لم يكن يتوقع حجم تلك "الهبة" التي أطاحت بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي وتوشك على الإطاحة بالمصري حسني مبارك الذي لا يزال يترنح بين البقاء والذهاب.
 
ودفع توالي التظاهرات والاحتجاجات المطالبة برحيل مبارك كما رحل بن علي من قبله إلى طرح العديد من المقارنات بين نظامي الحكم وما يتشابهان فيه من سياسات وممارسات وأدوات حكم وظروف أدت بالنهاية لرغبة الشعبين التونسي والمصري في الخروج عليهما والتخلص منهما.
 
ويبدو أن مشكلات الفساد والمحسوبية والتوريث والبطالة وتسخير الاقتصاد للمصالح الشخصية وانعدام الحريات وقسوة الشرطة والأمن في نظامي الحكم، مضافا إليها حالة الطوارئ الممتدة في مصر منذ عقود، قد عجلت مجتمعة بتداعي قوى الشارع لتقول كلمتها أخيرا.

فنظاما البلدين تشابها في تحالفهما الوثيق والقوي مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، قبل أن يكونا متشابهين في القبضة البوليسية والأمنية. كما أنهما اعتمدا نفس النهج السياسي القائم على الديمقراطية الزائفة والانتخابات المزورة والحزب الحاكم الذي لا يمارس إلا حماية منتسبيه ويتطاول على الأحزاب الأخرى التي تطاردها أجهزة السلطة.
 
الشرطة في مصر بدأت بقمع المظاهرات ثم اختفت فجأة من الشوارع تماما مثل تونس(الأوروبية)
شدة البطش
واعتماد الدولتين في عهدهما على النظام الأمني شديد البطش لم يمنع الشباب المتدفق إلي الشوارع بعفوية مستفيدا من شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت لحسم الأمور لصالحه.
 
كما تشابهت انتفاضة الشعبين في تونس ومصر بكونهما عفويتين, فرغم الظلم السياسي والحيف الاجتماعي واستشراء الفساد في كلا البلدين فإن أيا من النظامين لم يكن يتوقع انتفاضة جماهيرية بهذا الحجم والعنفوان.
 
وقد غابت التيارات السياسية المهيمنة على الحركات الشعبية في كلتا الانتفاضتين، وخلت ساحات التظاهر من الشعارات الحزبية، وتوحدت الجماهير خلف مطلب واحد رئيسي هو سقوط النظام.
 
وكذلك اتخذ الجيش في كلتا الحالتين موقف الحياد، في حين تخلت قوات الأمن -بشكل مفاجئ- عن مهامها الأولى في قمع المتظاهرين تاركة المجال واسعا لانتشار الفوضى والخوف في صفوف المواطنين مما دفعهم -في كلا البلدين- إلى تشكيل لجان شعبية لتأمين الممتلكات العامة والخاصة.
 
تباطؤ دولي
ورغم تشابه المشكلات الحادة بانحراف النظامين عما هو صائب نحو مواطنيهما وتهيئتهما لظروف الانتفاض ضدهما، فإن مصالح المجتمع الدولي والغرب خاصة مكانة العاصمتين التونسية والمصرية في تنفيذ الأجندة الخادمة لإسرائيل جعلت النظم الغربية تنأى عن نقد النظامين أو محاولة حثهما على التخلي عن سياستهما القائمة.
 
ويرى مراقبون أن النظامين اختلفا وبشكل ما في ردة الفعل الدولية تجاه حدثي مصر وتونس بسبب مكانة كل واحد منهما ودوره الذي يلعبه في المنطقة والعلاقة مع أجندة الغرب وإسرائيل.
 
ففي الوقت الذي تباطأت فيه غالب الدول عما يحدث في تونس حتى ساعاته الأخيرة، سارع بعضها لإبداء آراء مختلفة وإن كانت متناقضة حول ما يجري في مصر. بينما اكتفى العنصر العربي بالمتابعة دون تلميح لموقفه سلبا أو إيجابا "خوفا من مصير مماثل"، كما يقول محللون سياسيون.
 
وبات من الواضح أن الدول الغربية التي طالما ساندت بعض الأنظمة وعلى رأسها نظاما بن علي ومبارك التي بدورها كانت تخضع لإملاءات تلك الدول الغربية قد بدأت تسحب يدها بطريقة وبأخرى من الوقوف معهما.
 
مئات الآلاف تظاهروا في القاهرة مطالبين بتنحي الرئيس مبارك (رويترز)
إسرائيل في الواجهة

فأميركا ورغم خوفها الذي أعلنته من إمكانية تأثر إسرائيل بتغيير الأوضاع في مصر على نحو يجعل من المواجهة بين النظام الجديد وإسرائيل ممكنا، فإنها دفعت بمواقف محايدة حينا ومطالبة ورافضة لسلوك نظام مبارك حينا آخر.
 
وبينما رحبت أميركا بما تم في تونس، فإنها اتخذت موقفا أكثر حذرا مما يحصل في مصر باعتبارها حليفا وثيقا لأميركا يقيم معاهدة سلام مع إسرائيل, وتخشى إن ذهب مبارك ألا يأتي مثله من يخلفه، لكنها بدأت بتصعيد لهجتها مؤخرا وطالبت الرئيس المصري بانتقال سلمي عاجل للسلطة.
 
وأقر مسؤولون أميركيون آخرون بأن الاضطراب الحاصل في مصر ومن قبله في تونس يمكن أن يخلط أوراق أجندة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية, "وإن واشنطن تبحث عن خطة للتعامل مع منطقة دائمة الارتباك باتت حاليا وبصفة مفاجئة تدور في اتجاهات خطيرة".

كما قالت بريطانيا إنها أصيبت بخيبة أمل من التعديلات التي أجراها مبارك, غير أنها لم تخف قلقها إزاء ما يحدث, وعبر رئيس وزرائها السابق توني بلير عن أمله بأن يأتي النظام الجديد بما يحفظ أمن إسرائيل ومصالحها في المنطقة.
 
وأبدى الاتحاد الأفريقي ونظيره الأوروبي قلقهما حيال ما يجري في كل من تونس ومصر, ودعا الاتحادان إلي إجراء إصلاحات واسعة وضرورية في القطرين "وبما يحقق رغبة الشعبين التونسي والمصري".

المصدر : الجزيرة