يوميات "التحرير" - 3
آخر تحديث: 2011/2/4 الساعة 01:02 (مكة المكرمة) الموافق 1432/3/2 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/2/4 الساعة 01:02 (مكة المكرمة) الموافق 1432/3/2 هـ

يوميات "التحرير" - 3

المصريون شكلوا لجانا لحماية المصالح العامة والخاصة بعد انسحاب رجال الشرطة المفاجئ (الجزيرة نت)

نواف القديمي-صحفي وكاتب سعودي

باستثناء ميدان التحرير الذي يبقى خلية نحل حتى الصباح، تبدو بقية أحياء القاهرة في المساء كأنها مدينة مهجورة. فالخوف الذي أصاب الناس من الفوضى، وحظر التجوّل الذي فرضه الرئيس بصفته الحاكم العسكري، والذي بدأ يوم الجمعة من الساعة السادسة مساءً، ثم تقدم يومي السبت والأحد ليبدأ الحظر من الرابعة عصرًا، ثم تقدم مرة أخرى يوم الاثنين ليبدأ الحظر من الثالثة ظهرًا.. فصار بعض الناس يخرجون في النهار لتموين البيوت وقضاء الأعمال الضرورية، كي يعود الجميع إلى المنازل قبل بدء موعد الحظر.

وبعد أحداث يوم الجمعة الماضي شهدت القاهرة حدثًا غريبًا، حيث انسحب كل رجال الشرطة والمرور والدفاع المدني وبقيّة القِطاعات العسكرية التي تتبع وزارة الداخلية. و لم ينزل الجيش في الوقت نفسه، فعمّت الفوضى بعض المناطق.. وساد الرُّعب السكان. وبدأ بعض الأهالي تنظيم أنفسهم لتشكيل مجموعات حِماية شعبيّة في الأحياء خاصة أن أحداث يوم الجمعة شهدت خروج الكثير من السجناء والمجرمين بعد هجوم الأهالي على السجون لإطلاق أبنائهم. وتتحدث إحدى التقديرات عن أكثر من ثلاثين ألف سجين تم تهريبهم من السجون، وشارك هؤلاء في كثير من أعمال الفوضى والتخريب والسّرِقة.

واستمرت حالة غياب رجال الشرطة عدة أيام، وحتى يوم الأربعاء لا تكاد تجد سوى أعداد قليلة جدا من رجال الشرطة بعد أن أعلنت وزارة الداخلية يوم الاثنين أنها ستُعيد نشر رجال الشرطة في العاصمة.

كما أن الجيش لم ينتشر في المدينة إلا في مناطق محدودة جدا، هي تلك التي توجد بها مرافق عسكرية وحكوميّة مهمة. أما بقية الأحياء الشعبية فتتولى اللجان الشعبيّة حراستها طوال الليل. لذا فإن سماع صوت إطلاق الرصاص بكثافة صار أمرًا مُعتادًا في ليالي القاهرة.

في كل ليلة، وعند قُرابة الساعة العاشرة مساء، تبدأ رحلتي للعودة على الأقدام برفقة بعض الشباب السعوديين من ميدان التحرير إلى الفُندق في الزمالك. وهي مسافة تمتد قرابة خمسة كيلومترات. وفي طريق العودة نمرّ على أكثر من عشر نقاط تفتيش شعبيّة يسألوننا فيها عن هويّتنا وأسباب رغبتنا في دخول الحي وموقع سكننا. وبعد يومين، صار أفراد هذه اللجان الشعبية أشبه بالأصدقاء، حيث نكتفي بأن نلوّح لهم بالسلام أثناء مرورنا عليهم، وفي بعض الأحيان نقضي معهم بعض الوقت في الدردشة وسماع آخر النّكات حول الرئيس.

العودة إلى الفندق بعد هدوء المعارك في الليل (الجزيرة)

المُلفت في هذه اللجان -والطريف أيضا- أن الأدوات المُستخدمة في الحِماية
تتفاوت بحسب المستوى المعيشي في الحي، ففي الأحياء الشعبيّة ترى العصي الغليظة، والسيوف الكبيرة، والسكاكين، وسواها.. أما في الأحياء الغنيّة التي تسكنها الطبقة البرجوازية، فترى مثلاً في أيدي بعض الناس مضارب بيسبول وغولف وعصي بلياردو!.. وحتى الوجوه في الأحياء الغنية تبدو مُختلفة، حيث كان أعضاء هذه اللجان غالبًا من طلاّب الجامعات أو الأطبّاء والمُهندسين ورِجال الأعمال.

الطريف في الأمر أن هذه اللجان الشعبيّة كانت تفتش -بل تتعمّد التشديد في التفتيش- أي سيّارة شُرطة تمرّ عليها. وفي أحد المرات رأينا أمامنا سيارة شرطة أوقفها شاب صغير من اللجان الشعبيّة في الحي (عمره في حدود 16 سنة) ثم انهمك في تفتيشها، والشرطي الذي كان يقود السيارة يُخاطبه باستعطاف ويقول "يا باشا أنا شرطي، ميصحِّش تفتشني.. فيرد عليه الشاب بمكر: طيب إيه اللي عرفني أنك شرطي وما تكونشي سجين هارب وعاوز تعمل مشاكل.. أديني البطاقة وما تكترش الكلام".

وبعد يومٍ من اختفاء رجال الشرطة في القاهرة، وجدت رجل شرطة وحيدا أمام أحد الفنادق. قلت له مازحًا: إيه الحكاية ياعم.. أنتو سبتوا البلد ليه؟ فرد عليّ مبتسمًا: دي إشاعات ياباشا.. أنت لازم تطمّن.. إحنا حامين البلد كويس. قلت له ضاحكًا: واللهِ .. لأ دا واضح جدا. وبعد قليل اتضح أنه ليس من رجال الشرطة، وإنما هو مُجرد موظف أمن في الفندق.

وفي كل ليلة حين نصل إلى الفندق، ونتناول ما نجد من طعام قمنا بشرائه في النهار -لأن جميع الدكاكين تُقفِل بعد حظر التجوّل- ننزل أحيانًا إلى اللجنة الشعبيّة القريبة من الفُندق، ونقضي معهم بعض الوقت في الدردشة وتحليل الأحداث وسماع أحدث النكات.

وبالطبع فإن أحداث الفوضى التي حصلت لم تكن على أيدي المساجين الهاربين فقط، بل كانت أيضا من بعض سكّان العشوائيات التي تُحيط بالقاهرة. أذكر أن الدكتور محمد سليم العوا قبل سنة تقريبًا قال لي ونحن بمكتبه في إطار حديثنا عن السيناريوهات المُستقبليّة المُتوقعة في مصر "نحن نخاف جدا من الفوضى.. فحول القاهرة حِزام بُؤس من العشوائيّات يسكن به قرابة ستة ملايين إنسان. وهؤلاء لو هجم نصفهم على القاهرة، لجعلوها خرابًا في ساعة واحدة"، وهذا بالطبع كان أكثر ما يُقلق السكّان في حال الفوضى.

ولأننا نقضي غالب يومنا في ميدان التحرير، صرنا نلحظ بوضوح مقدار التفاوت في أعداد الحضور، فالموجدون في الميدان يوم الأحد كانوا أكثر بوضوح من الموجودين يوم السبت، ويوم الاثنين زاد العدد بشكل ملحوظ عمّا كان عليه يوم الأحد، حيث قدّرت بعض وكالات الأنباء الأجنبية أعداد الموجودين في الميدان بربع مليون، وبدا واضحًًا أن الأعداد تتزايد باستمرار، وأن الإصرار يتعاظم، وأن كل تراجع تُبدِيه الحكومة يعني مزيدًا من الإصرار، وأعدادًا إضافية من المُشاركين.

وفي الوقت نفسه بدأت الضغوط الدوليّة تتزايد، تصريحات أميركية وأوروبية. ومُنظمات دوليّة لا تتوقف عن المُطالبة بالاستجابة لمطالب الشعب. وأردوغان يُطالب مُبارك بالتنحي والاستجابة للجماهير. والجيش المصري من جانبه أعلن أنه سيحمي المظاهرات السلميّة، وأنه يُقدِّر مطالب الشعب المشروعة "رغم أن مطلب الشعب الوحيد كان إسقاط النظام". وعمرو موسى يدعو إلى تغيير سِلمي في السلطة. وحتى لهجة كثير من المُحلّلين السياسيين المُوالين للسلطة بدأت تتغير باتجاه التضامن مع المطالب الشعبيّة. بل إن شخصيات كانت حكومية حتى الصميم مثل الفنان عادل إمام اضطرت للحديث إلى قناة الجزيرة حيث أعلن تأييده لمطالب الشعب، وحين سئل عن تصريحاته السابقة بدعم وتأييد نظام مبارك، أجاب عادل إمام بتوترٍ ظاهر بأنها تصريحات مكذوبة عليه.

طوال النهار وحتى منتصف الليل يبقى ميدان التحرير يضجُّ بالدويّ والمسِيرات والهتافات المُطالبة بخروج الرئيس وإسقاط النظام.. وترى في ثنايا المجموعات المُحتشدة كثيرًا من الشخصيّات السياسية والثقافية المعروفة.. بل إن عددا من الفنانين المصريين المعروفين يشاركون يوميًّا في المظاهرات، مثل خالد الصاوي، وخالد أبو النجا، وعمرو واكد.. وكذلك المُخرج خالد يوسف الذي يقود بنفسه بعض المسيرات.. ويبقى المُمثّل خالد الصاوي هو الأكثر حماسًا من الجميع، حيث يظلُّ طوال اليوم محمولاً على الأكتاف أو في مُقدمة بعض الحشود، يهتف بالشعارات المُطالبة بإسقاط النظام، وآلاف المُتظاهرين يُرددون خلفه.

ولبعض الشخصيات السياسية والثقافية أيضا أدوار نشِطة في الميدان، مثل النائب الإخواني السابق محمد البلتاجي، والداعية عمرو خالد الذي حضر في أحد الأيام وألقى بعض الكلمات، والمُحلل السياسي المعروف الدكتور عمرو حمزاوي.. وحتى الدكتور عصام العريان الذي أُلقِي عليه القبض قبل بضعة أيام، ثم خرج بعد اقتحام السجون، فهو يقضي غالب وقته في الميدان.

من يتجوّل في أرجاء الميدان، ويُراقب التجمّعات والجماهير، ويتحدث مع بعضهم، يلحظ بوضوح أن غالب المُحتشدين هم أبناء الطبقة الوسطى بامتياز، وأن دوافعهم للخروج ليست محصورة في العامل الاقتصادي، بل إن العامل السياسي هو الأكثر حضورًا وتأثيرًا.

ويوم الأحد حضر للميدان الدكتور محمد البرادعي الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة وهو أحد أكثر الشخصيات التي أصبحت حاضرة في المشهد السياسي المصري، وألقى البرادعي كلمة في أحد الحشود، وأمضى بعض الوقت بين الناس، ثم غادر. لكن لفت انتباهي أن كثيرًا من المُحتشدين الذين كانوا يحيطون بالبرادعي هم من أبناء طبقة مختلفة، حيث إن معالِم الغِنى بدت واضحة على وجوههم وملابسهم، ونسبة الحجاب عند النساء مثلاً بدأت تقِل، ومظاهر الترف غدت أكثر وضوحًا.. بل حتى هُتافاتهم كانت وقورة وناعمة.

وفي عصر يوم الأحد حصل أمر لم يكن مُتوقعًا، وكان مؤشرًا على مقدار الاستفزاز الحاصل عند السلطة.. حيث بدأت طائرات حربيّة من طراز أف 15 وأف 16 بالتحليق بارتفاعات مُنخفضة فوق المُحتشدين في الميدان، مُحدثةً دويًّا مُرتفعًا جدا، وذلك بهدف إخافة الحشود.

ورغم انزعاج بعض المتظاهرين وسقوط امرأة مغشيًّا عليها من شدة الصوت، فإن الغالبيّة الساحقة من المُحتشدين لم ينزعجوا من ذلك، بل استغلوا هذا الأمر في السخرية من النِظام.. حيث تملك هذه الحُشُود موهبة مُبهرة في استحداث فوري لهُتافات جديدة تُلائم الحدث.. فبعد تحليق الطائرات بأصواتها المرتفعة، صارت الجُمُوع تشير بأيديها إلى الطائرات وتُردد بمرح:

حسني اتجنن .. حسني اتجنن .. حسني اتجنن

وبعد تكرار تحليق الطائرات، بدأت الحشود تُردد:

اتعودنا .. اتعودنا .. اتعودنا

وبعد بعض الوقت بدؤوا يُشيرون إلى الطائرات الحربيّة ويرددون:

الجدع جدع .. والجبان جبان .. واحنا يا مُبارك حنموت بالميدان

ثم بعد قليل أعلن من يُمسك بالميكرفون خبرًا مفاده أن البرازيل ألغت الاتفاقية التجارية مع مصر لاستيائها من تعامل الحكومة المصرية مع المُتظاهرين، وهنا بدأت الهتافات فورًا:

ألف تحيّة للبرازيل .. من ميدان التحرير

ولأن المصريين يملكون مهارة استثنائية في النُكت لا تمرّ مناسبات كهذه دون مواقف ومشاهد ساخرة عديدة.. حتى إن المُشارك في ميدان التحرير لو قرر أن يلتقط فقط المواقف والعروض الساخرة، لأمكنه أن يخرج منها بكتابٍ كبير.

ففي أحد مداخل الميدان مثلاً، تجد مجموعة من الشباب يجلسون بقالب فني بديع، ويُغنّون بطريقة استعراضيّة مُخاطبين الجُمُوع التي تدخل:

الي يجي ميروحشِ .. علشان نِمشّي الجحش

وفي أحد أطراف الميدان ثمة سيّارة نقل محروقة بالكامل، ومملوءة بأكوام من القمامة، ويقف على طرفها الخلفي شبابٌّ قام بوضع لوحة كرتونية على الحوض الخلفي لسيارة النقل مكتوب عليها "مقر الحزب الوطني"، ثم قام بوضع لوحة أخرى على صدره مكتوب عليها "لا لنِظام مبارك.. إنجازات مبارك: 1- فساد 2- قانون طوارئ 3- عدم تنفيذ أحكام القضاء 4- تزوير الانتخابات التشريعيّة 5- رعاية صحية وتعليم فاشلان 6- غذاء مسرطن ومحسوبيّات 7- فقر". ثم قام بتعليق لوحة ثالثة مرسوم عليها وجه كاريكاتيري لحسني مبارك، ومكتوب عليها: "هارب العباسية" (والعباسية هي المنطقة التي تضم مُستشفى المجانين)، وطوال ساعات يقف هذا الشاب على السيارة المُحترقة، ويهتف "هنا مقر الحزب الوطني الجديد، والحكومة في العربيّة مع الزبالة، وحسني مبارك اتجنن وبندوّر عليه".

وبالطبع لا تمضي هذه الأزمة دون تدشين عشرات النكات والمقولات الفكاهيّة الساخرة.. فمثلاً مما يتردد في الميدان:

- قائد الجيش راح لحسني مبارك، وقال له: خلاص ياريّس.. انتهى كل شيء.. لازم تكتب خطاب الوداع.. هنا أجابه حسني مبارك: ألله.. هو الشعب رايح فين.

ـ وزير الزراعة قال لحسني مبارك: يا ريّس السُلحفات دي بتعيش 400 سنة. فرد عليه الريّس: هاتها.. نشوف بقى هتعيش كم؟

ـ حسني مبارك اتصل على زين العابدين بن عليّ في جدة.. وقال له: لو حتنام بدري أبقى والنبي سيبلي المفتاح تحت الباب.

في الليل.. يتحوّل ميدان التحرير إلى مجموعة من اللوحات الفنيّة.. ففي الوقت الذي تبقى فيه مجموعات كبيرة تضم كل واحدة منها من بضع مئات إلى بضعة آلاف، حيث تستمر في مسيراتها وهتافاتها السياسية المعتادة.. تتشكل في الوقت ذاته عشرات المجموعات التي تضم كل واحدة منها عشرات الشباب في كل أنحاء الميدان.. وتبدأ هذه المجموعات إبراز المواهب الفنيّة المُختلفة عند الشباب.. فمجموعات تُردد بشكل جماعي الأغاني النضالية لسيد إمام، ومجموعات يردد فيها بعض الشعراء قصائد فصحية، وثالثة تردد فيها القصائد المصريّة الشعبيّة.. وأخرى تضج بالأناشيد والأهازيج، والتصفيق والتصفير يسود الجميع.. وكأننا في رحلة خَلَويّة لا حشد سياسي.

ومن المشاهد المُلفتة في الميدان حجم التكافل الاجتماعي المُبهر.. فكل حين يدور بين المُحتشدين بعض الشباب الذين تطوّعوا بتوزيع بعض الأطعمة الخفيفة أو الماء. لذلك، وتضامنًا مع هذا المشهد الجميل، قرر الشباب السعوديون وشاب كويتي الذين أترافق معهم يوميا إلى الميدان -وهم طلاّب جامعات- أن يقوموا يوميا بالاتفاق مع مطعم لتحضير 500 وجبة خفيفة لتوزيعها على المُحتشدين طوال أيام بقائهم. وكنت أقول لهم ضاحكًا "أتمنى ألا يَعتبِر النظام هذا الفِعل تمويلاً خارجيا للثورة".

ومن المظاهر الجميلة أيضا والتي رأيناها في ميدان التحرير، تطوّع العديد من الناس بحمل أكياس كبيرة وجمع القمامة من أرجاء الميدان.. وكان واضحًا أن بعض هؤلاء هم من أبناء الذوات والمُتعلمين، ومع ذلك لم يستنكفوا عن القيام بهذا العمل. وفي الأحياء السكنيّة كان ينشط دومًا عدد من سكان الحي بمهمة تنظيف الطُرُقات.. وفي أحد الأيام رأيتُ في حي الزمالك -حيث نسكن- مجموعة من الفتيات من بنات الحي يرتدين أغطية للفم والأنف، وينظفن الشوارع.

المصدر : الجزيرة

التعليقات