مظاهرات في أسيوط تندد بأداء جهاز أمن الدولة (الجزيرة نت)

ياسر جمال-أسيوط

يعكس إصرار الثوار المصريين على إلغاء جهاز أمن الدولة ومحاكمة قياداته مدى تشكيكهم في دور هذا الجهاز الذي يتهمه الكثيرون بمحاولة إرباك الساحة الأمنية عبر تعقبه النشطاء الشبان والتدبير لحوادث طائفية أعادت مخاوف ما قبل ثورة 25 يناير من اضطراب العلاقة بين مسلمي الوطن وأقباطه.

خلال مظاهرة شهدتها محافظة أسيوط (370 كلم جنوبي القاهرة) أمس الجمعة، ردد المشاركون ذات الهتافات التي رفعتها المظاهرة المليونية بميدان التحرير في نفس اليوم بحل جهاز مباحث أمن الدولة ومحاسبة قادته.

واشتبك بعض المحتجين مع ضابط وثلاثة أفراد أمن تابعين للجهاز كانوا يرصدون المظاهرة ويصورون المشاركين فيها.

وزادت حدة المطالبة بمحاكمة ضباط الجهاز في المحافظة بعدما شهدت أسيوط حادثي قتل لصائغ قبطي وقس نُحرا على يد مجهولين خلال الأسبوع الماضي.

ووقعت خلال تشييعهما مصادمات بين مسلمين ومسيحيين غاضبين، أطلقت مخاوف المراقبين من عودة التوتر الطائفي الذي أعقب تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية وأخمده ترابط المسلمين والأقباط في الثورة وخاصة خلال اعتصام ميدان التحرير.

"
سامح هني:
هناك من يحاول العودة إلى مبدأ تقسيم المصريين والتصنيف على الهوية
"
الفتنة الطائفية
الصحفي القبطي سامح يني قال للجزيرة نت إن جهاز أمن الدولة "يلعب دورا خفيا في إيقاظ الفتنة الطائفية ليس فقط في أسيوط وإنما في كل محافظات الجمهورية"، مشيرا إلى عودة "السلفيين إلى المشهد بقوة وتحت رعاية الأمن ليثيروا هذه المرة مخاوف المصريين جميعا وليس الأقباط فقط".

وأضاف أنه طوال الأيام الأولى للثورة وحتى تنحي مبارك لم يحدث أي اعتداء على كنيسة أو أسرة قبطية أو قس رغم غياب الأمن، لكن بعد الحديث عن عودة الأمن إلى مواقعه "تطل علينا هذه الحوادث بوجهها الكريه مرة أخرى، وهي أحداث لا تثير غضب الأقباط في أسيوط أو الإسكندرية فحسب بل في مصر كلها.. هناك من يحاول العودة إلى مبدأ تقسيم المصريين والتصنيف على الهوية".

وطالب يني الجيش الذي يحكم البلاد حاليا بسرعة التدخل لكبح جماح جهاز أمن الدولة ووضعه تحت مظلة رقابية من القضاء أو النيابة أو الحقوقيين.

واعتبر أن "إحراق مبنى وزارة الداخلية على يد شرطيين مفصولين وحادث قتل ضابط لسائق أمام المارة بمنطقة المعادي، كانا رسالة من جهاز أمن الدولة للجيش بأنه في حال محاسبتنا أو الاستغناء عنا فسنحرق البلد".

لافتة للكنيسة القبطية بأسيوط (الجزيرة نت)
المحطة الثانية
ويؤيد مسؤول المكتب الإداري لجماعة الإخوان المسلمين في أسيوط الدكتور محمد كمال الرأي السابق، ويقول للجزيرة نت إن جهاز أمن الدولة -حتى وإن لم يكن متورطا في حادثي قتل الصائغ القبطي والقس- فإنه أسهم بتقاعسه عن ملاحقة الجناة وإعلان نتائج التحقيقات في تأجيج المشاعر الغاضبة لدى أقباط المدينة، وهو ما تجسد في مظاهراتهم التي شهدت اعتداءات على بعض المسلمين وممتلكاتهم.

وأضاف "تنتشر بين الناس هنا (في أسيوط) أخبار بوجود خلفيات ثأرية وشخصية وليست طائفية وراء الحادثين، لكن الأمن لم يؤكدها أو ينفيها، والنتيجة أن أصابع الاتهام ستظل موجهة إلى المسلمين".

واستطرد قائلا إن هناك معلومات عن أن أسيوط كانت المحطة الثانية للمؤامرة الأمنية بإشعال فتنة طائفية فيها بعد الإسكندرية التي تتواتر تقارير بتدبير وزير الداخلية السابق حبيب العادلي لحادث تفجير كنيسة القديسين بها مطلع العام.

وأكد كمال أن جهاز أمن الدولة يعمل بسلطة مطلقة في أسيوط وغالبية محافظات مصر خاصة في الصعيد، وما زال يحرك جهات كثيرة ويضغط على الأجهزة المحلية حتى لا تستجيب للمطالب الشعبية.

ويضيف أنه "ثبت دور الجهاز في إشعال الإضرابات العمالية والفئوية بهدف شل الإنتاج وتعقيد مهمة الجيش في إدارة الدولة ووضعه بين مطرقة مطالب الشعب وسندان استحقاقات المعيشة اليومية".

وطالب الجيش بسرعة حل جهاز أمن الدولة وعدم الالتفات إلى المخاوف التي يروجها بقايا النظام السابق من إمكانية حدوث ارتباك أو خلل أمني إذا حل الجهاز.

جانب من مظاهرات أسيوط (الجزيرة نت)
مضايقات أمنية
ويحمل الكثير من سكان المحافظة المعروفة بإحكام القبضة الأمنية عليها، تجارب سيئة مع جهاز أمن الدولة، ويقول بعضهم إنهم حرموا من وظائف أو ترقيات واستبعد بعضهم من الحصول على منح دراسية بسبب تقارير أمنية.

أحمد عبد المتجلي (30 عاما حاصل على بكالريوس هندسة) قال للجزيرة نت إنه استبعد من ثلاث مسابقات حكومية للتعيين في وزارة الإسكان وشركتي إنشاء تابعتين للدولة بسبب "تقرير أمني سلبي" من مباحث أمن الدولة، لمجرد أن شقيقه الأكبر اعتقل في قضية سياسية عام 1995.

ويقول طارق عارف (صاحب مكتبة) إنه تعرض لمضايقات أمنية عديدة من ضباط أمن الدولة بسبب رفضه طرد عامليْن ملتحيين لديه بالمكتبة.

وأضاف "استدعيت إلى جهاز أمن الدولة وسئلت عن الشابين، فقلت للضباط إنهما غلابة ولا يمارسان أي عمل دعوي في المكتبة، وسيكون من الظلم طردهما، فجاءني الرد بحملة من البلدية والضرائب ومكتب العمل ووجدت نفسي محاطا بعشرات المحاضر الكيدية خلال شهر، فبادر الشابان بالانقطاع عن العمل لرفع الحرج عني".

ولا يبدو الأمر قاصرا على محافظات الصعيد المهمشة إعلاميا والتي تساعد طبيعتها الفقيرة نسبيا في سطوة الأمن عليها، إذ يؤكد نشطاء وحقوقيون أن نشاط جهاز أمن الدولة لم يتوقف خلال الثورة ولا حتى بعد تنحي مبارك. وأوردت تقارير حقوقية عدة عمليات اعتقال وتحقيق وتعذيب يتعرض لها نشطاء شبان حتى الآن.

وقالت منظمة العفو الدولية في بيان إن أجهزة الأمن تهدد أسر شهداء ثورة 25 يناير لإجبارهم على إلغاء دعاوى قضائية أقامتها بحق ضباط وقيادات الشرطة للمطالبة بمعاقبتهم على قتل نحو 500 شهيد وجرح أكثر من ستة آلاف متظاهر خلال الاحتجاجات التي رافقت الثورة.

وقال المتحدث باسم حركة 6 أبريل محمد عادل للجزيرة نت إن ملاحقات جهاز أمن الدولة للنشطاء لم تتوقف حتى بعد سقوط حكم مبارك.

وأشار إلى تعرض أحد أعضاء الحركة -وهو نور حمدي- قبل أيام قليلة إلى اعتقال من قبل أحد ضباط أمن الدولة في منطقة العجوزة قبل تسليمه إلى قوات الجيش التي بدأت التحقيق معه بناء على أقوال الضابط.

"
اللواء فؤاد علام:
منتقدو جهاز أمن الدولة في مصر لا يعرفون حتى طبيعة المهام المنوطة بهذا الجهاز الحيوي
"

دور وطني
وفي المقابل يدافع المنتمون للأجهزة الأمنية عن جهاز أمن الدولة، ويكررون ما يقوله وزير الداخلية الحالي محمود وجدي حول "دور وطني" ما زال يقوم به الجهاز، ويحذرون من إلغائه أو حتى محاسبة قياداته على ما يؤكد نشطاء وحقوقيون أنها "انتهاكات موثقة للحقوق والقانون والأعراف الإنسانية الدولية".

اللواء فؤاد علام النائب السابق لرئيس مباحث أمن الدولة السابق قال للجزيرة نت إن المطالبة بإلغاء جهاز أمن الدولة "غير عقلاني وغير موضوعي".

واتهم اللواء علام الإعلام المستقل والتيارات السياسية "غير الشرعية" بتشويه صورة الجهاز لدى الرأي العام، إضافة إلى "تقاعس الجهاز عن التعريف بنفسه وبمنجزاته والدور الوطني الذي يقوم به".

كما رفض الحديث عن "إعادة تأهيل الجهاز"، قائلا إن المنتقدين "لا يعرفون حتى طبيعة المهام المنوطة بمباحث أمن الدولة".

لكنه في الوقت نفسه رفض التعريف بهذه المهام واكتفى بالقول إن "الجهاز يتصدى لأي شكل من أشكال الخروج على الشرعية".

واستبعد المسؤول الأمني السابق أن يقرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة حل الجهاز، وقال "إن المسؤولين في المجلس لديهم رؤية واضحة عن دور الجهاز، وإنهم لن ينجروا إلى هذه النظرة السطحية وهذا التفكير الجاهل".

المصدر : الجزيرة