شباب 20 فبراير استطاعوا تنظيم مظاهرة سلمية قدرت بعشرات الألوف
 
نواف القديمي-الرِباط
 
مذ وصلت إلى المغرب قبل أربعة أيام والحديث لا يتوقف عن توقعات ما سيتم في 20 فبراير/شباط الجاري، حيث أعلنت مجموعات شبابية عبر فيسبوك هذا التاريخ موعدا لبدء المظاهرات في كل المدن المغربية، وذلك للإعلان عن عدد من المطالب الوطنيّة، مستفيدة من موجة الثورات والتحرّكات الديمقراطية التي بدأت تجتاح العالم العربي.
 
أول من دعا في المغرب إلى هذه المظاهرات شابٌ من قوى اليسار اسمه أسامة الخليفي، وذلك عبر مقطع فيديو قصير يظهر فيه وهو يدعو إلى التظاهر في هذا التاريخ. ثم تبعه تسجيل آخر لشابٍ من الإسلاميين اسمه سعيد بن جبلي، وبعدها توالت دعوات الشباب، وبدأت كرة الثلج تكبر ومعالم المطالب السياسية تظهر وتتحدَّد.
 
الخليفي كان أول من دعا للمظاهرات
وحين استمرت مساحة المُطالبة بالتظاهر تتسع، بدأت تنضمّ لها بعض الأحزاب والمجموعات الشبابيّة المؤطرة حزبياً. وكانت الأحزاب اليسارية هي أول من بادر بإعلان انضمامها لهذه المظاهرات، حيث أعلن كلٌ من حزب النهج الديمقراطي (وهو اشتراكي ثوري) واليسار الاشتراكي الموحد، والطليعة الديمقراطي، انضمامهم لدعوات التظاهر.
 
في المقابل أعلنت شبيبة العدل والإحسان -التي يتزعمها الشيخ عبد السلام ياسين- وشبيبة الاتحاد الاشتراكي وشبيبة حزب العدالة والتنمية الإسلامي انضمامها لهذه المظاهرات، كما انضمّ لدعوات التظاهر كثير من المنظمات الحقوقية المغربية.
 
وفي يوم الخميس الماضي (17 فبراير/شباط) عقد شباب حركة 20 فبراير مؤتمرا صحفياً في مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أعلنوا فيه لائحة مطالبهم بكل وضوح، وفي مقدمتها: تشكيل ملكية برلمانية، ووضع دستور جديد يتكئ على أسس ديمقراطية، وحل البرلمان، وإقالة الحكومة.. وذكروا في المؤتمر أنهم تعرضوا لضغوط أمنية عديدة وتهديدات، بل واعتقال مُبكِّر لبعض الشباب.
 
ومن بين القضايا التي أثارت جدلا واسعاً في الفضاء السياسي المغربي كان موقف حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي شهِد انقساما واضحاً في موقفه من هذه المظاهرات. فمن جهة أعلن الأمين العام عبد الإله بن كيران أن الحزب لن يُشارك في هذه المظاهرات. وهو الأمر الذي رفضه عدد من قيادات الحزب الذين أكدوا أن بن كيران أعلن عدم المشاركة دون الرجوع لمؤسسات الحزب (مجلس الأمانة العامة) الذي كان بعض قادته يفضِّلون أن يتمثّل موقف الحزب في "الصمت" دون إعلان المشاركة من عدمها.
 
الشعارات المحلية كانت حاضرة إلى جانب شعارت حيّت تونس ومصر وليبيا
ومن جهة أخرى أعلن أحد أبرز صقور الحزب مصطفى الرميد عن نيّته هو ومجموعة من قادة الحزب المشاركة في هذه المظاهرات لأسباب عديدة ذكروها في بيان خاص. وبسبب إعلان الأمين العام بن كيران عدم مشاركة الحزب، تم الضغط على شبيبة العدالة والتنمية التي كانت أعلنت مشاركتها، فأعلنت مُجددا انسحابها من المشاركة.
 
صباح اليوم الأحد انطلقتُ عبر القطار نحو العاصمة الرباط حيث ستشهد التجمّع الأكبر للمظاهرات. وقد تحدد موقع التظاهر الذي سيكون في الساحة الكبيرة والرئيسية بالرباط، واسمها ساحة البريد وتقع في أهم شارع بالعاصمة هو شارع محمد الخامس. وهذا الشارع والساحة بناهما الفرنسيون مطلع القرن العشرين بالمنطقة الواسعة التي تقع بين الرِباط القديمة والقصر الملكي. وفي وسطها مقر البرلمان والبنك المركزي ومحطة القطار.. وفي طرفها يقع القصر الملكي ومسجد "السُنّة" الضخم الذي بُني قبل ثلاثة قرون.
 
وفي ذات الساحة كان هناك المركز الثقافي السوفياتي الذي بقي في ذات المكان لأكثر من ثلاثين سنة. ثمّ بعد سقوط الاتحاد السوفياتي –ويا للسخرية- تأسس في مكانه أول فرع للمطعم الأميركي الشهير ماكدونالدز!
 
بدأت أفواج المتظاهرين بالتجمع قُرابة الساعة العاشرة صباحا.. وما إن بلغت الساعة الحادية عشرة حتى ناهزت الحشود العشرين ألفا.. وبدأت تتشكل مجموعات عديدة، كل واحدة منها تضمّ بضعة آلاف ويغلب على بعضها طيف فكري أو سياسي محدد (مجموعة يغلب عليها اليساريون، وأخرى شباب العدل والإحسان، ومجموعة كان فيها بعض ضحايا وأهالي معتقلي السلفيّة الجهادية.. إلخ). وبدأت الشعارات ترتفع وسط حضور واضحٍ لما حصل في تونس ومصر خلال الأسابيع الماضية، ولما يحصل الآن في بعض الدول العربية وفي ليبيا تحديداً.
 
جزء كبير من الشعارات التي أُطلِقت في هذه المظاهرة كانت ضد الوزير الأول عبّاس الفاسي وضد عائلة الفاسي التي صارت تُتَّهم بأنها النسخة المغربية من عائلة الطرابلسي التونسية، ومن أحمد عِزّ المصري.
 
المتظاهرون طالبوا بإعادة فتح مكتب قناة الجزيرة (الجزيرة نت)
وفي ثنايا الحشود تسمع هتافاتٍ عديدة مثل:
الشعب يُريد تغيير الدستور.. الشعب يُريد إسقاط الحكومة.. الشعب يرفض دستور العبيد.. حُكومة فاشيّة حُكومة انتهازيّة.. الحكومة فاسيّة (نسبة للفاسي) والشعب هو الضحيّة.. الاحتجاج حقٌ مشروع والمخزن ماله مخلوع (المخزن وصف يُطلق في المغرب على السلطة السياسية وأحياناً على الملك تحديدا).. إدانة شعبيّة للسيّاسة المخزنية.. إدانة شعبيّة للمجازر الليبيّة.. القذافي يا حقير قتلتَ قتلتَ الجَماهير.. القذافي يا خسيس الدم الليبي ما هو رخيص.. المُواطن لا يُهان وبوعزيزي هو البرهان.. مش بِعيد مش بِعيد الرباط وسيدي بوزيد.
ثم يقوم أحد الشباب ويردِّد عبر مكبر الصوت:
ناضل يا مُناضل.. ناضل يا مُناضل.. من أجل الحُريّة
فترد عليه الحُشود: ناضل
ضد الاستبداد.. ناضل
ضد الطبقيّة.. ناضل
ضد الفاسيّة.. ناضل
ضد التفقير.. ناضل
ضد التجويع.. ناضل
 
أعوان المخزن شملتهم شعارات الرفض
وفي المجموعات اليساريّة ترتفع كثير من الشعارات الاشتراكية، وصور غيفارا وبعض المناضلين اليساريين المغاربة، وتنطلق أحياناً هتافات أكثر جذريِّة:
 
مُبارك راح راح والسادس ما هو مرتاح (أي الملك مُحمد السادس)، الدور الدور.. الدور الدور
تونس.. جاها الدور
مِصر.. جاها الدور
ليبيا.. جاها الدور
البحرين.. جاها الدور
والمغرب.. بيجيها الدور
 
قدرت بعض وسائل الإعلام المحايدة أن تِعداد من تظاهر في كُل المغرب قارب الـ150 ألفا.. ففي الرباط تظاهر ما يُقارب العشرين ألفا، وفي كل مدينة رئيسيّة بالمغرب كانت هناك حُشود تتراوح بين بضعة آلاف وعشرات الآلاف.
 
ربما بسبب الطبيعة السياسية للمغرب بدت تجربة التظاهر سلميّة وهادئة إذا ما قورنت بما يحصل في ليبيا واليمن والبحرين.. لكن كثيراً من القوى السياسية تُعوّل على نجاح هذه المظاهرات في الضغط على السُلطة من أجل إحداث تغييرات حقيقيّة وجذريّة في الفضاء السياسي باتجاه مزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان.
 
رحم الله البوعزيزي.. فقد كان الحاضر الغائب في فضاء هذه المظاهرات التي عمّت مُدن المغرب والمشرق، وألهبت وجدان المواطنين العرَب من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.

المصدر : الجزيرة