احتفاء بالعائدين في مطار قرطاج (الجزيرة نت)

فراس نموس-تونس
 
أقامت حركة النهضة أمس استقبالا في مطار قرطاج للعائدين من أعضاء وقيادات الحركة المحظورة إبان العهد السابق، حيث توافدت قيادات الحركة وأهالي العائدين من فرنسا وألمانيا وبريطانيا في رحلات يبدو أنه رتب لوصولها في يوم واحد.
 
وعج المطار بشيوخ وعجائز بلباسهم التقليدي يتلهفون للقاء أبنائهم الذين هاجر أغلبهم في تسعينيات القرن الماضي، دون أمل في العودة القريبة، بيد أن ثورة الشعب التونسي جعلت حلمهم حقيقة، ورجع الأبناء بأحفاد يغايرون أجدادهم في اللباس واللغة وأسلوب الحديث.
 
وكانت حركة النهضة تعرضت لملاحقة موسعة في تلك الحقبة حيث سجن قادتها ومن اتهم بالانتماء لها، وفر من استطاع منهم النجاة إلى المهجر لتبدأ رحلة الاغتراب، التي جاوزت عشرين عاما، رزق فيها المهجرون بأبناء لم يعرفوا تونس إلا على الخريطة.
 
وفي هذا الصدد يقول أحد العائدين وهو محمد عابد السلطاني -صدرت بحقه أحكام بخمسين سنة سجنا- إن نسائم الحرية لامست وجهه منذ وطئ أرض المطار، وحمد الله أن يسر له العودة إلى بلده بعد أن خرج منه قسرا هربا بدينه إلى فرنسا هو وآلاف مثله.
 
وبسخرية قارن السلطاني بين هربه وهو مضطر لا يملك مالا إلى فرنسا حيث نجح في تأسيس أسرة وعمل، وبين هرب الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي الذي ضاقت عليه الأرض بما رحبت وتبرأ منه أصحابه رغم فراره وجيوبه ملأى من أموال الشعب.
 
عبد الرؤوف الماجري (يمين) شكر الجزيرة
بكل أفرعها (الجزيرة نت)
تحية وترحم
أما عبد الرؤوف الماجري -المعروف في باريس باسم شاكر- فوجه تحية إلى شباب تونس الذين قاموا بالثورة، وترحم على شهداء الثورة الذين سقوا بدمائهم ثرى بلادهم، وآذنوا بنهاية نظام بن علي، وحيا الشعب الذي قدم نموذجا يحتذى به، وثورة مصر دليل على ذلك، معتبرا أن إرادة الشعوب من إرادة الله وإرادة الله لا تقهر.
 
وشكر على وجه الخصوص شبكة الجزيرة بكل أفرعها على ما تقدمه من تغطية "صادقة" ووقوفها في صف الشعب، وأكد أن الجزيرة كانت الرافد الأساسي للمقيمين في الغرب بالمعلومات عما يجري في بلدانهم، وأردف أن كثيرا من السياسيين الغربيين باتوا ينظرون للجزيرة على أنها الرقم الأول وليس مجرد رقم صعب.
 
ولدى سؤاله عما إن كان هذا الجيل من الشباب نجح فيما لم ينجح فيه جيل الآباء، قال "كلمة حق حتى لا تسرق الثورة من أصحابها من قام بالثورة هم شباب تونس" ولكن لو رجعنا إلى الخلف لوجدنا أن ما وقع في التسعينيات شبيه بالذي وقع الآن ولكن تبدل الظروف سمح بأن تصل هذه الثورة إلى نهاية مشوارها.
 
نساء سجينات
ولم يكن الرجال وحدهم من اضطروا للفرار، بل كان بينهم نسوة اعتقلن وعذبن وهددن ومنهن السيدة عائشة زاويتي، التي التقتها الجزيرة نت في قاعة المطار فور عودتها من المهجر هي ونساء أخريات أصابهن ما أصابها.
 
عائشة (وسط): سجنت في عهد بن علي لمدة عام عذبت فيه وهددت بهتك عرضي (الجزيرة نت)
تقول عائشة إنها سجنت لمدة عام عذبت فيه وهددت بهتك عرضها في سجون بن علي بتهمة تمويل وإعانة أسر المعتقلين والمهجرين، وبقيت تستدعى وتستجوب على مدار ست سنوات إلى أن تمكنت من الالتحاق بزوجها بعد تدخل هيئات المجتمع المدني ومنظمات حقوقية وإنسانية.
 
وشكرت الله على أن منّ عليها بالعودة، وقدمت عزاءها لأمهات الشهداء وزوجاتهم الذين حققوا بدمائهم حلما لم يكن أكثر المتفائلين يحلم بأقل منه، وأضافت أنها وأسرتها لم يناموا منذ أمس وهم يحسبون أن ما يحدث خيالا، لو ناموا فيه فستفوتهم الطائرة.
 
أما العائدة زليخة محجوبي فقصتها كانت فيها إضافات أخرى، إذ التقت فجأة في السفارة التونسية في باريس بأحد أفراد الأمن الذين عذبوها في تونس قبل مغادرتها بلدها نهائيا عام 1997 وتعرفت عليه، فقدمت شكوى للسلطات الفرنسية التي حكمت عليه بناء على الوقائع بـ12 عاما سجنا، لكن النظام التونسي استطاع تهريبه إلى تونس قبل أن ينفذ فيه الحكم.
 
وكلما أفرغت طائرة ركابها ارتفعت وتيرة الزغاريد والهتافات مرحبة بالعائدين، وصدح المستقبلون بغناء الشابي الخالد: إذا الشعب يوما أراد الحياة، فهل يصدق الشعر دوما أم إن هناك شعوبا أرادت الحياة لكنها قمعت وأرسل حكامها أبناءها إلى الحياة الآخرة ولم يستجب لها القدر؟

المصدر : الجزيرة