شعار الثوار بعد رحيل النظام "اتركوا الميدان (التحرير) أنظف مما كان" (الجزيرة)

محمود عبد الغفار
 
لم أكن أتخيل أو يتخيل غيري عندما نزلت إلى القاهرة في إجازة قصيرة يوم جمعة الغضب رابع أيام الثورة الشعبية أن تتحول ريح هذه الاحتجاجات إلى إعصار يطيح بنظام مستبد جثم على صدور المصريين نحو 30 عاما وتسبب في انتكاسات للبلد على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

فإذا كان يوم الثلاثاء 25 يناير/كانون الثاني الماضي هو شرارة الثورة، فإن جمعة الغضب هي المحرك الرئيسي الذي أعطاها زخم القوة والاستمرارية. كانت هذه الجمعة مبهرة منذ انطلاق الملايين عقب صلاة الجمعة في أمواج بشرية تهدر غضبا من سكونها سنين عددا.
 
مع انطلاق هذه الأمواج في الطرقات كان المتظاهرون يدعون من في المنازل، فكان هناك من يستجيب وينضم خاصة من الشباب، وآخرون لا سيما كبار السن يلهجون بالدعاء لهم.

ورغم هدير الأمواج المتلاطمة من البشر وزئيرها في الشوارع مطالبة بالإصلاح والتغيير على أرض الكنانة، فإن سير الثائرين كان هونا وحريصا على حفظ بلدهم التي انطلقوا من أجل إنقاذها ورفعة مكانتها، وكان أشدها تعبيرا شعار "سلمية.. سلمية".

لم تستطع قوات الشرطة بكل أعدادها وتجهيزاتها أن تحول -كما كان في السابق- دون وصول الثائرين إلى ميدان التحرير الذين طُردوا منه الثلاثاء السابق فقد كان الإصرار من الأعداد المتدفقة أكبر هذه المرة.

وفي ميدان التحرير أو الشهداء أو ثورة 25 يناير، مكث الثوار وشيدوا ما اعتبرها البعض "المدينة الفاضلة" التي كانت تضم أطياف المصريين: الغني والفقير، العالم والأمي، النساء والأطفال. تنوع واختلاف عجيبان واتفاق على حب مصر وإصرار على عدم الرحيل بل والموت في سبيل تحقيق مطالبهم لاستعادة بلدهم من ثلة قليلة استأثرت بالسلطة والثروة، وهو ما أدى لانتشار الفساد وفقد البلد مكانتها.

قسموا العمل بينهم في الميدان بصورة رائعة، الكل يحمل على كتفه ورقة تظهر دوره (طبيب، طعام، تنظيم، مراقبة...)، يقتسمون بينهم الطعام وأحيانا الخبز فقط، بل هناك من أقسم بأنه كان ينام جائعا لعدم كفاية الطعام أو عدم استطاعته الخروج لإحضاره.

بعد يوم الأربعاء -الذي قرر فيه مسلحون بدا أنهم مأجورون من عناصر النظام السابق التخلص من ثورة الشباب البيضاء وفشل مسعاهم- نظم الثوار مراقبة فوق العمارات بميدان التحرير، ومعهم عصي وعلب صفيح يدقون بها للتنبيه من مخاطر قريبة. وأقاموا بالميدان عدة إذاعات محلية لبعض الأحداث الجارية والتفاعل معها بالتهليل والتكبير والفرحة تارة أو بالاستنكار وصيحات الاستهجان تارة أخرى.

بعد مصابهم الكبير إثر سقوط أكثر من 300 شهيد و5 آلاف جريح حزنوا لكنهم لم يهنوا، وزادهم الحزن إصرارا على مطالبهم وعلى رأسها تنحي الرئيس وإسقاط نظامه الذي اعتبروه المسؤول الأول عن مآسي مصر.

ثورة ملهمة
"
أصبحت الثورة الشعبية المصرية ملهمة للشعوب مثلما فعلت نظيرتها التونسية إذ ليس بالضرورة أن ينتظر البلد القائد المخلص بل يمكن لقوة الحق المتراكمة والكامنة في الشعوب أن تتجمع في لحظة تاريخية فتصنع ماردا يدهش الناس قبل أن يرتاع له الحكام

"
أصبحت الثورة الشعبية المصرية ملهمة للشعوب مثلما فعلت نظيرتها التونسية إذ ليس بالضرورة أن ينتظر البلد القائد المخلص بل يمكن لقوة الحق المتراكمة والكامنة في الشعوب أن تتجمع في لحظة تاريخية فتصنع ماردا يدهش الناس قبل أن يرتاع له الحكام.

وملهمة لأن الثائرين كانوا منذ البداية حتى النهاية مسالمين وحريصين على أن تكون ثورتهم بيضاء ويهتفون "سلمية.. سلمية" كلما تحرش بهم أحد، غير أنهم ردوا العدوان عليهم عند الضرورة، في تجسيد فطري لطبيعة بشرية.

وملهمة أيضا لأنهم أصروا على هدفهم بكل جدية فشكلوا مجلسا لائتلاف شباب الثورة ومجلسا للمستشارين لمتابعة تنفيذ مطالبهم حتى النهاية، وهو ما حقق لهم جزءا كبيرا منها. وإثر تحقق الجزء الأكبر من المطالب بسقوط النظام رفعوا شعار "اتركوا الميدان (التحرير) أنظف مما كان"، ونظفوا ميدان التحرير وبدؤوا في تشكيل لجان لمساعدة أهالي الشهداء والجرحى ماديا وطبيا، بل والدعوة إلى المساهمة في البورصة لمواجهة الخسائر بها.

بهذه التصرفات وغيرها وُصفت الثورة بأنها "حضارية"، وأضاف إليها العالم المصري الحاصل على نوبل الدكتور أحمد زويل -في أول ظهور له بالتلفزيون المصري (السبت) منذ خمس سنوات- أنها "علمية" لأن استخدام تكنولوجيا المعلومات كان إحدى الوسائل الكبرى المساهمة في نجاح الثورة.

أما الرئيس الأميركي باراك أوباما فاعتبر أن ما حدث كان عن طريق "قوة الكرامة البشرية، وهي قوة لا يمكن إنكارها". وقال إن "المصريين ألهمونا وعلمونا أن الفكرة القائلة إن العدالة لا تتم إلا بالعنف هي محض كذب. ففي مصر كانت قوة تغيير أخلاقية غير عنيفة غير إرهابية تسعى لتغيير مجرى التاريخ بوسائل سلمية".

المصدر : الجزيرة