مصريون يلتقطون صورا تذكارية في ميدان التحرير بعد تنحي حسني مبارك (رويترز) 

محمد العلي

شكلت الثورة المصرية التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك يوم 11 فبراير/ شباط عام 2011 لحظة فاصلة في الحياة السياسية في مصر.

وتألفت القوى التي وجهت ضربة قاضية لحكم مبارك ولحزبه الوطني الديمقراطي, من خليط من الحركات الاحتجاجية والأحزاب والشخصيات المستقلة والاعتبارية المطالبة بالديمقراطية.

وانطلقت أحداث الثورة -التي لم تغب عن مفجريها تجربة تونس- عمليا يوم 25 يناير/ كانون الثاني بالدعوة لمظاهرة غضب بالتزامن مع احتفالات يوم الشرطة, وجهتها حركة شباب 6 أبريل التي انطلقت عام 2008 إثر الاحتجاجات العمالية والطلابية في مدينة المحلة الكبرى في دلتا مصر.

واستجابت للدعوة أحزاب الجبهة الديمقراطية (بزعامة أسامة الغزالي حرب)، والغد (بزعامة أيمن نور)، والجمعية الوطنية للتغيير (ائتلاف واسع يضم حركة الإخوان المسلمين ومحمد البرادعي) والحملة الشعبية لتأييد محمد البرادعي، والحملة الشعبية لترشيح حمدين صباحي للرئاسة.

"
كانت الفئات المتضررة من مصاعب المعيشة وخصوصا المهنيين والشباب هي السباقة وفق المحلل السياسي د. عمار علي حسن لرفع سقف الشعارات التي كان المحتجون التقليديون يطرحونها لتصل إلى حد المطالبة بتنحي الرئيس ورحيل نظامه
"
ورفض حزب التجمع (برئاسة رفعت السعيد) وحزب الجيل (بزعامة ناجي الشهابي) المشاركة بالاحتجاجات، وتريث حزبا الوفد (بزعامة السيد البدوي) والناصري (ضياء الدين داوود) في حسم موقفهما, لكن تطور المواجهات دفع كل الحركات والأحزاب المترددة إلى حسم أمرها بالمشاركة.

وانضم إلى المظاهرات منذ يومها الأول أيضا أصحاب المعاناة المعيشية، الذين قرروا الاحتجاج بعفوية في الشارع دون انتماء لتنظيم أو حزب سياسي وشكلوا عمليا أغلبية المتظاهرين.

وبين هؤلاء ثلاث فئات ظلت بعيدة تقليديا عن الحركة الاحتجاجية التي تركزت منذ عام 2004 في النقابات المهنية وبعض الشخصيات العامة والأحزاب هي: كبار السن وطلاب المدارس الثانوية وأصحاب الأعمال الصغيرة والمهنيين.

الفئات المتضررة
وكانت الفئات المتضررة من مصاعب المعيشة وخصوصا المهنيين والشباب هي السباقة وفق المحلل السياسي د. عمار علي حسن لرفع سقف الشعارات التي كان المحتجون التقليديون يطرحونها لتصل إلى حد المطالبة بتنحي الرئيس ورحيل نظامه.

على أن تحقق هدف الثوار الرئيس يطرح أسئلة عن ماهية العوامل الجامعة بين كل فئات المحتجين التي رفعت حالة الاحتقان في الشارع المصري إلى هذا المستوى غير المسبوق.

ويمكن إجمال هذه العوامل -التي شكلت أيضا محرك العمل السياسي المناهض للنظام على مدى سنوات حكم مبارك الثلاثين- بالتالي:

- تمسك الرئيس حسني مبارك بأحكام قانون الطوارئ المفروض منذ عام 1967 والتذرع باغتيال سلفه أنور السادات عام 1981 لاستخدام القانون لقمع المجتمع وخصوصا الحركات والتيارات المنتمية إلى ما سمي الإسلام السياسي.

- التحضير لتوريث الحكم إلى جمال مبارك ابن الرئيس بمعزل عن رغبة المصريين. وأرجع المدير العام السابق برئاسة الجمهورية د. محمود صبرة في تصريح للجزيرة يوم 6 فبراير/ شباط بدء عملية التوريث اعتبارا من العام 1998 عندما طلب الرئيس من موظفي مكتبه إطلاع نجله جمال على نسخة من التقارير الحكومية التي كانت تعرض حصريا عليه بوصفه رئيسا للدولة. واستكمل ذلك لاحقا عبر توليه منصب رئيس لجنة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم.

- استبعاد كل شخصية عامة تصلح لخلافة مبارك حتى لو أتت من داخل النظام مثل الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وتلفيق اتهامات للنائب السابق زعيم حزب الغد أيمن نور لمجرد تجرؤه على منافسة مبارك في انتخابات الرئاسة عام 2005 وسجنه لعدة أعوام.

- حصر الاستفادة من ثروات مصر بفئة رجال الأعمال التي استحوذت على الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وحولته إلى أداتها السياسية برضا الرئيس وتواطؤه في إطار ما عرف بزواج المال والسلطة.

- توسع نطاق الفساد في أجهزة الدولة وخنق الاقتصاد الوطني بدعوى تحريره عبر بيع مؤسسات القطاع العام وتحويل ريعها إلى فئة رجال الأعمال المنتمين للحزب الوطني الديمقراطي.

- تعميق التبعية للخارج، وبالذات للولايات المتحدة وإسرائيل.

- زوال حاجز الخوف تدريجيا من النظام وآلته القمعية اعتبارا من عام 2004 عند تشكل حركة "كفاية" من بعض المثقفين والشخصيات العامة وسط تجاهل النظام وتقليله من شأن هذا الحدث.

- تعديل الدستور بطريقة تحول دون ترشيح أي شخص من خارج الحزب الوطني وبما يتيح لمبارك عددا غير محدد من الولايات الرئاسية.

"
حتى ما قبل أحداث ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 كان المبادر لغالبية الاحتجاجات الحركات الاجتماعية والشبابية والنقابات المهنية, وسط تعاطف الأحزاب السياسية والأحزاب المحظورة في مقدمتها الإخوان المسلمون وبعض الشخصيات العامة
"
- إلغاء الرقابة القضائية على الانتخابات وما تبعها من تزوير فاضح لانتخابات مجلس الشعب لعام 2010 لصالح مرشحي الحزب الوطني الديمقراطي مما دفع الأحزاب المرخصة التي كانت قد خاضت دورتها الأولى إلى الانسحاب من جولة الإعادة والطعن بفوز عشرات نواب الحزب الحاكم.

المحرك
شكلت هذه العوامل محاور الحركة المناهضة لنظام الرئيس حسني مبارك السنوات الأخيرة من حكمه. وكان محركها طيف من الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية المعارضة لنظامه ولسياسات الحزب الوطني الديمقراطي المهيمن على أجهزة الدولة منذ تأسيسه على يد الرئيس الراحل أنور السادات عام 1978.

وحتى ما قبل أحداث ثورة 25 يناير 2011 كان المبادر لغالبية الاحتجاجات الحركات الاجتماعية والشبابية والنقابات المهنية, وسط تعاطف الأحزاب السياسية والأحزاب المحظورة في مقدمتها الإخوان المسلمون وبعض الشخصيات العامة التي برز بينها اعتبارا من العام 2010 المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية د. محمد البرادعي بعد تقاعده من منصبه الدولي.

غير أن عنف الشرطة المتزايد وموت عدد من الموقوفين أثناء احتجازهم وتكرار حرائق القطارات الناجم عن سوء الإدارة والفساد ومقتل الأبرياء جراء انهيار منازلهم، شكلت مجتمعة إلى جانب تردي الخدمات وموت الناس أثناء انتظارهم في طوابير الخبز حافزا لتكرار الاحتجاجات واتساع نطاقها.

وأدت أحداث بعينها كاحتجاجات أبريل/ نيسان ذات الطابع المطلبي في المحلة الكبرى والقاهرة عام 2008 لخروج تشكيلات سياسية اجتماعية إلى العلن مثل حركة 6 أبريل. وتكرر الأمر في إطلاق مبادرة على الشبكات الاجتماعية أسميت "كلنا خالد سعيد" بعد مقتل الشاب المذكور وعمره 28 عاما على يد رجال الشرطة بمدينة الإسكندرية.

"
عنف الشرطة المتزايد وموت عدد من الموقوفين أثناء احتجازهم وتكرار حرائق القطارات الناجم عن سوء الإدارة والفساد ومقتل الأبرياء جراء انهيار منازلهم شكلت مجتمعة إلى جانب تردي الخدمات وموت الناس أثناء انتظارهم في طوابير الخبز حافزا لتكرار الاحتجاجات واتساع نطاقها
"
ومع نزول الشعب المصري إلى الشوارع وقف كل المناهضين لنظام مبارك في صف واحد رغم اختلاف خلفياتهم السياسية والفكرية، وبين هؤلاء الأحزاب المرخصة الوفد والناصري والتجمع والجبهة الديمقراطية والغد وأخرى غير مرخصة كحركة الإخوان وحزب العمل.

تنازلات مبارك
غير أن لجوء الرئيس مبارك إلى تعيين نائب له لأول مرة منذ ثلاثين عاما وإقالته حكومة أحمد نظيف نزولا عند ضغط الاحتجاجات, شجع الأحزاب المرخصة باستثناء الناصري على الانخراط في حوار دعا إليه مبارك يوم 3 فبراير/ شباط. لكن هذه الأحزاب ما لبثت أن أعلنت تباعا انسحابها من الحوار وشكلت ثلاثة منها هي الوفد والناصري والتجمع ما عرف بالائتلاف الشعبي للتغيير لمواجهة أي فراغ محتمل في السلطة.

بالمقابل واصلت الحركات المجتمعية كالحركة المصرية للتغيير المعروفة اختصارا بكفاية وحركة 6 أبريل والجمعية الوطنية للتغيير التي تضم حركة الإخوان -أكبر حركات المعارضة قاطبة -ومحمد البرادعي بالإضافة لناشطين آخرين تمسكها بأعمال الاحتجاج إلى حين سقوط النظام.

لقد حاول مبارك أن يسترضي الجماهير الغاضبة بتنازلات تدريجية بدأت بتغيير الحكومة وتعيين عمر سليمان نائبا له وانتهت بالموافقة على تعديل الدستور، إلا أن ذلك لم يخفف من إصرار المصريين المناهضين له على تنحيه وتغيير نظامه.

مرحلة جديدة
ومع تسليم مبارك سلطاته إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر لم تتضح معالمها بعد رغم التزام الجيش فعلا بالحياد وتأكيده في بيان صدر بعد تنحي الرئيس أنه ليس بديلا عن الشرعية.

فهل سيعمد الجيش الذي أقر بمشروعية مطالب الثورة إلى إلغاء الدستور وطرح دستور جديد على استفتاء؟ وهل سيحل مجلسي الشعب والشورى المشكوك بشرعيتهما؟ وهل سيحل الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذي تآكلت شرعيته عند تصدي رعاعه للمظاهرين سلميا ومحاولة إحراقهم في ميدان التحرير؟ وهل سيحدد موعدا قريبا لانتخابات تشريعية ورئاسية؟

الجيش والشارع
كل ذلك يعتمد على طبيعة ما سيأتي في البيانات اللاحقة الصادرة عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيسه المشير محمد حسين طنطاوي الذي رافق مبارك منذ تعيينه قائدا للجيش عام 1991.

"
مع تسليم مبارك سلطاته للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر لم تتضح معالمها بعد رغم التزام الجيش فعلا بالحياد وتأكيده في بيان صدر بعد تنحي الرئيس أنه ليس بديلا عن الشرعية
"
بالمقابل أصدر تشكيل لم يكن معروفا من قبل يحمل اسم "جماهير ثورة 25 يناير" بيانا بعد تنحي مبارك أكد فيه استمرار الثورة وبقاء الجماهير في كافة مدن البلاد حتى تتم الاستجابة لكل قرارات الثورة صاحبة الشرعية الوحيدة والمتمثلة فيما يلي :

- الإلغاء الفوري لحالة الطوارئ والإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين.

- إلغاء الدستور الحالي وتعديلاته وحل مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية.

- إنشاء مجلس حكم رئاسي انتقالي يضم خمسة أعضاء شخصية عسكرية وأربعة رموز مدنية، على ألا يحق لأي عضو منهم الترشح لأول انتخابات رئاسية قادمة.

- تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة تهيئ لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في نهاية الفترة الانتقالية وفي مدة لا تزيد على تسعة أشهر. ولا يجوز لهم الترشح لأول انتخابات رئاسية أو برلمانية.

- تشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور ديموقراطي جديد. وإطلاق حرية تكوين الأحزاب على أسس مدنية وديمقراطية وسلمية.

- إطلاق حرية الإعلام وتداول المعلومات وإطلاق حرية التنظيم النقابي وتكوين منظمات المجتمع المدني.

-إلغاء كافة المحاكم العسكرية والاستثنائية وكل الإحكام التي صدرت بحق مدنيين من خلال هذه المحاكم.

مصير هذه المطالب رهن بالقوى والهيئات المصرية السياسية والشعبية الفاعلة ، لكن الأكيد أن مصر بعد 12 فبراير/ شباط 2011 لن تكون مثلما كانت خلال حقبة حكم حسني مبارك.

المصدر : الجزيرة