النور السلفي.. من الدعوة إلى السياسة
آخر تحديث: 2011/12/24 الساعة 20:51 (مكة المكرمة) الموافق 1433/1/29 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/12/24 الساعة 20:51 (مكة المكرمة) الموافق 1433/1/29 هـ

النور السلفي.. من الدعوة إلى السياسة

الخطاب الديني بشأن تطبيق الشريعة أثار الجدل بانتخابات مصر

أشرف أصلان

كما قلبت ثورة 25 يناير حسابات المراقبين الذين لم يتوقعوا سقوط نظام حسني مبارك بهذه السرعة, فاجأ حزب النور السلفي الجميع بنتائج غير متوقعة بانتخابات مجلس الشعب بحصوله على نحو 30% من المقاعد البرلمانية متصدرا المشهد خلف حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين.

المفاجأة لم تكن فقط بنسبة التأييد, ولكنها ترجع بشكل أساسي إلى أن حزب النور تشكل قبل شهور قليلة بعد ثورة 25 يناير, وكانت الانتخابات الأخيرة هي أول احتكاك بعالم السياسة, وإن كانت السلفية بمصطلحها هذا قد برزت على يد بن تيمية بالقرن الثامن الهجري، وقام محمد بن عبد الوهاب بإحياء هذا المصطلح مجددا بمنطقة نجد بالقرن الثاني عشر الهجري والتي كانت الحركة الوهابية التي أسسها من أبرز ممثلي هذه المدرسة بالعصر الحديث.

لكن النزول الأول لساحة السياسة بمصر صاحبته إشكالات تعرض لها السلفيون السياسيون بعد انتقال غير متدرج من الدعوة الدينية إلى معترك لم يألفوه وربما لم يعرفوا مفرداته وأدواته.

لكن في المقابل لا يبدو صعود حزب النور مفاجأة لآخرين يرون أن تغلغل التيار السلفي في الشارع المصري قديم وشعبيته في اتساع, ولو توفر العمل المنظم مع خبرة السياسة لكانت النتائج انقلابا حقيقيا.

الشيخ محمد حسان ساهم في تطوير الخطاب السلفي بمصر

وقد ظل التيار السلفي بعيدا فترات طويلة عن الساحة, لكنه ظهر لأول مرة على استحياء عام 2010 لدى المطالبة بالكشف عن مصير كاميليا شحاتة المسيحية التي ترددت أنباء عن إسلامها قبل أن تعيدها الشرطة مرة أخرى للكنيسة.

ويوجد السلفيون عبر العديد من الجمعيات الخيرية والخدمية الأكثر احتكاكا بالجماهير, ويأتي على رأسها "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية" التي تنتشر بطول مصر وعرضها وتركز على العمل الخيري, فضلا عن "تنقية الدين من البدع والخرافات ومكافحة التبرك والتمسح بالأضرحة أو النذر لها والصلاة فيها".

وتتضمن القائمة أيضا "جماعة أنصار السنة المحمدية" التي تدعو عبر مئات من فروعها إلى التمسك "بصحيح السنة بفهم السلف الصالح". ويعزو مراقبون انتشار السلفية بمصر إلى المصريين العائدين من السعودية خلال الربع قرن الأخير.

لعبة السياسة
ورغم أن أغلب التيار السلفي كان يشدد على عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم حتى لو كان فاسقا، فإن البعض منهم يرفض معارضة الحاكم مطلقا، أو حتى إبداء النصيحة له في العلن.

وفتحت الأيام الأولى لثورة 25 يناير الباب نحو تغيير لهذه المفاهيم, ولم يخرج السلفيون عن موقفهم التقليدي بشأن عدم جواز الخروج على الحاكم, إلى أن اتضحت الأمور وبدا أنها تسير بطريق اللا عودة بالنسبة لنظام مبارك.

ولحق السلفيون بقطار الثورة بعد أن بدا أنه لا بديل عن مجابهة نظام مبارك الذي ناصبهم العداء في شهوره الأخيرة بإغلاق قنواتهم الفضائية وعلى رأسها قنوات "الناس" و"الرحمة" و"الحكمة".

ووقف السلفيون يعلنون عن أنفسهم بكل قوة مشددين على المرجعية الدينية. وكان الاستفتاء على التعديلات الدستورية هو الحضور الأبرز لهم, رافعين شعار "غزوة الصناديق" الذي جاء على لسان الشيخ حسين يعقوب أحد أبرز قادة هذا التيار، حيث اعتبر الأمر تصويتا على المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

صناديق الاقتراع تفرز واقعا سياسيا جديدا بمصر (الفرنسية)

ومنذ الاستفتاء تحرك السلفيون لمد جسور التواصل السياسي مع الجماهير بعد سنوات طويلة اقتصرت على العمل الخيري والدعوي فقط.

ورغم أنه لا توجد أرقام محددة توضح شعبية التيار السلفي بمصر, فإن متابعين للحالة المصرية يصنفون غالبية الشعب المصري "المتدين" على أنه من السلفيين, فهم مسلمون يأخذون الإسلام من أصليه الكتاب والسنة وبفهم السلف الصالح، ويرفضون البدع, ويشددون على الاجتهاد في طلب العلم الشرعي.

ومن أبرز قادة السلفيين حاليا الداعية الشهير محمد حسان الذي يشرف على قناة الرحمة الفضائية, وكذلك الشيخ مصطفى العدوي والشيخ محمد حسين يعقوب, إضافة إلى الشيخ أبو إسحاق الحويني.

وقد كان للشيخ حسان حضور لافت في ميدان التحرير أثناء الثورة, حيث ساهم بشكل بارز في تطوير الخطاب السلفي ونقله للساحة السياسية ليجد قبولا متزايدا في الشارع الذي لم يضع بعد حدودا فاصلة بين جماعات الإسلام السياسي.

العلمانيون يتخوفون
وهنا بات أنصار التيار العلماني بمأزق حقيقي, لا سيما وأن الاحتكام لصناديق الاقتراع بدأ يفرز واقعا سياسيا جديدا كشفت بعض مؤشراته نتيجة الاستفتاء على تعديلات الدستور, ونتائج الانتخابات البرلمانية.

ولا يتردد أنصار التيار العلماني في إظهار بعض التأفف من لعبة الصناديق ووصلوا إلى حد المطالبة بتأجيل الانتخابات, بل وفسر البعض الاضطرابات الأخيرة بشارع محمد محمود ومحيط البرلمان ومجلس الوزراء بأنه رفض لنتائج الانتخابات التي جاءت بالإسلاميين إلى صدارة المشهد السياسي.

ويتخوف الليبراليون أكثر من التيار السلفي, ويفضلون عليهم الإخوان المسلمين معتبرين أنهم أكثر اعتدالا وفهما للواقع بعيدا عن مفردات وخطاب سلفي يبدوا لهم غير ملائم للعصر, خاصة فيما يتعلق بالموقف من المرأة والاختلاط في العمل والجامعات, فضلا عن سياسة مصر الخارجية والعلاقة مع إسرائيل.

وبهذا السياق تلقف التيار الليبرالي ملصقا انتخابيا لحزب النور بالدقهلية وضعت فيه صورة زوج إحدى المترشحات للبرلمان بدلا من صورتها التي اعتبرت "عورة". لكن الحزب نفى ذلك واتهم ليبراليين بـ"فبركة" الصورة. اللافت أن حزب النور وزع ملصقا بديلا وضع فيه صورة وردة مكان المترشحة.

الجدل مستمر بين الإسلاميين والليبراليين بميدان التحرير (الجزيرة نت-أرشيف)

هذا الموقف من المرأة أثار جدلا لم يتوقف بالشارع المصري وسط مخاوف طرحها التيار الليبرالي الداعي إلى مدنيّة الدولة بشأن توجيه النواب السلفيين لمسار التشريعات المتعلقة بالمرأة والحريات مستقبلا.

وهنا يبذل النور محاولات مستميتة لتصحيح الصورة وطمأنة الشارع وتوجيه رسائل مماثلة للأقباط من قبيل أن الشريعة الإسلامية توفر لهم الاحتكام لشريعتهم في قضايا الأحوال الشخصية. "أما غير ذلك من أمور الحياة بكل أنواعها والنظام العام والآداب فقانون الدولة يسري على المواطنين كلهم".

أما عن إسرائيل فقد سعى النور لطمأنة المتخوفين من جر مصر إلى حرب جديدة, وأكد "الالتزام بمعاهدة السلام وإن كانت قد أبرمت في ظل نظام دكتاتوري مع السعي لتعديل بنودها الجائرة", طبقا لبيان رسمي على موقع الحزب بالإنترنت.

العلاقة بالإخوان
تبقى الإشارة إلى جانب آخر من الصورة يتعلق بعلاقة شد وجذب بين السلفيين وحزب الحرية والعدالة المنبثق عن الإخوان المسلمين. وقد رسم المشهد الانتخابي الأخير جانبا من ملامح تلك العلاقة, فتارة هي علاقة تحالف في وجه العلمانيين, ومرات أخرى منافسة ضارية على المقعد في غياب باقي التيارات السياسية.

إذن تبدو ممارسة اللعبة السياسية على أرض الواقع هي الوسيلة الأقرب لفك غموض المشهد السياسي الملتبس عموما في مصر بعد ثورة 25 يناير.

فهل يعيد السلفيون في مصر النظر في مواقفهم وخطابهم ومفرداتهم وأدواتهم تماشيا مع قواعد اللعبة الجديدة؟ الإجابة تحددها الوقائع الجارية على الأرض في المرحلة المقبلة من عمر الثورة المصرية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات