هل تنقلب الصورة في دمشق عما درج عليه الإعلام الرسمي؟ (الفرنسية)

أحمد دعدوش-الجزيرة نت

في مطلع الشهر الحالي كتب مارك غونيونه في صحيفة لوفيغارو الفرنسية تحت عنوان "قشعريرة العاصمة تحيي من جديد أمل السوريين" يقول إن دمشق -على عكس مدن سورية أخرى- لم تشهد مظاهرات حاشدة ضد النظام، بل إن كثيرا من المراقبين كانوا يعتقدون قبل شهر من الآن أن الاحتجاجات بدأت تنحسر، لكن الثوار أظهروا عزيمة منقطعة النظير، وسرعان ما نفضوا عنهم غبار الاستكانة ليبدؤوا من جديد.

تبدو هذه الرؤية صحيحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، فبعد نحو عشرين يوما من نشر مقالة غونيونه ينقل الناشطون إلى شاشة الجزيرة وغيرها تسجيلا لمظاهرة تضم الآلاف في حي الميدان بدمشق، مما يعيد إلى الذاكرة مشاهد مماثلة في مدن أخرى تظهر وكأنها قد خرجت عن سلطة الدولة رغم كثافة المظاهر المسلحة.

حي الميدان يغير وجه الثورة بدمشق

بداية مبكرة
تعود بداية الانتفاضة في دمشق إلى ما قبل الثورة نفسها، ففي 17 فبراير/شباط اعتدى شرطي بالضرب على ابن أحد التجار في منطقة الحريقة بدمشق، وهو أمر كان سيمضي بسلام لولا أنه وقع بعد ستة أيام فقط من سقوط النظام  المصري، فتجمع الناس في السوق وبدؤوا عفويا بالهتاف "الشعب السوري ما بينذل"، وعندما وصل عددهم إلى نحو 1500 سارع وزير الداخلية إلى المكان وأقنع المحتجين بأنه سيحقق في الاعتداء، لكن شرارة البدء كانت قد اندلعت، فتجمع العشرات في سوق الحميدية بوسط العاصمة في 15 من مارس/آذار وهتفوا للحرية معلنين بدء الثورة السورية.

وللكشف عن أسباب ما يقال بشأن تأخر دمشق عن اللحاق بركب مدن أخرى مثل حمص، يقول غونيونه في مقاله إنه لا مجال للمقارنة بميدان التحرير في القاهرة، فهناك ثكنة عسكرية أو مركز للمخابرات قرب كل ساحة بدمشق، كما يحاصر الجيش كل الشوارع المؤدية إلى الساحات العامة والمساجد الكبرى بالعاصمة والبلدات المحيطة أيام الجُمع، ومع تصاعد وتيرة التظاهر بات الحصار مفروضا طيلة أيام الأسبوع.

وعلى الرغم من ذلك لم تمر جمعة واحدة تقريبا دون مظاهرة في مكان ما بدمشق منذ بداية الثورة، ويبدو أن النظام قد اعتمد سياسة قمع أكثر شدة من حيث الوجود العسكري الكثيف دون اللجوء إلى القتل إلا في أضيق الحدود كما في مدن أخرى، نظرا لحساسية الوضع في العاصمة.

وكانت أولى المؤشرات على التصعيد في دمشق قد ظهرت في ليلة السابع والعشرين من رمضان عندما تجرأ موالون للنظام على تدنيس مسجد الرفاعي في ساحة كفر سوسة وتعرضوا للمحتجين بالضرب وعلى رأسهم الشيخ المسن أسامة الرفاعي.

لكن محاولة الغاضبين من دوما ومناطق أخرى متاخمة لدمشق في الوصول إلى ساحة العباسيين عشية عيد الفطر باءت بالفشل عندما فتح عناصر الأمن النار على حافلاتهم قبل الوصول لمداخل المدينة، مما دفع المحتجين لتأجيل خطة الاعتصام الكبير في الساحات العامة.

النقطة الفاصلة بدأت بالفعل عندما تعرضت طالبات مدرسة ثانوية بحي الميدان لتحرش "الشبيحة" بهنّ في السابع عشر من الشهر الجاري مما حرض الأهالي على الاشتباك

أفكار بديلة
إزاء هذا القمع لجأ الثوار إلى بدائل عديدة تساند المظاهرات الجريئة في الجامعات وأحياء عدة كالقابون والقدم وبرزة والميدان والصالحية والمزة وكفر سوسة وحتى المهاجرين قرب القصر الرئاسي، إذ نظم البعض فعاليات تناسب الأغلبية الخائفة مثل إطفاء أنوار المنازل في ساعة محددة والنزول إلى الأسواق بقمصان بيضاء، وإطلاق بالونات تحمل شعارات مضادة، وتوزيع المنشورات والكتابة على الجدران، ووضع مكبرات صوت تعمل تلقائيا في مبان حكومية لتردد هتافات ضد النظام وتسبب الحرج للمسؤولين.

كما شجعت هذه الدعوات الطبقتين الوسطى والمخملية في العاصمة للتخلي عن السلبية، فتراجعت شعبية المشايخ الذين دأبوا على دعم النظام والتشكيك بالثورة، وقاطع الكثيرون منتجات الشركات التي تعود ملكيتها لأقطاب النظام، وأضربت أسواق عدة مع بدء فعالية "إضراب الكرامة".

لكن النقطة الفاصلة بدأت بالفعل عندما تعرضت طالبات مدرسة ثانوية بحي الميدان لتحرش "الشبيحة" بهنَّ في السابع عشر من الشهر الجاري، مما حرض الأهالي على الاشتباك ومقتل عدد من الشباب والفتيات واختطاف بعضهم، حتى قدّر البعض خروج عشرة آلاف متظاهر في تشييع أحد القتلى في اليوم التالي، ومقتل ستة برصاص الأمن مما يعني دفع دمشق للحاق بالمدن الغاضبة الأخرى.

هذا التصعيد يتزامن مع توقيع النظام السوري على بروتوكول الجامعة العربية لإرسال مراقبين، وهو ما شجع الناشطين على الدعوة لتصعيد الإضراب والاعتصام في الساحات في ظل الحماية الدولية المرتقبة، فأسسوا خلال ساعات على موقع فيسبوك صفحة تحت اسم "ساعة الزحف نحو ساحة الأمويين" وهي الساحة الأهم بوسط دمشق، الأمر الذي يرفع من مستوى الترقب لما سيحدث قريبا في العاصمة التي يبدو وكأنها تبيت على فوهة بركان.

المصدر : الجزيرة