رئيس جنوب السودان سلفاكير (يسار) أثناء استقباله من طرف رئيس إسرائيل شمعون بيريز (الفرنسية)

أنس زكي-القاهرة

ردت مصر على الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت إلى إسرائيل، مؤكدة على متانة العلاقات التي تجمعها بدول حوض النيل ومنها جنوب السودان، مع الإشارة إلى أن وزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو يعد لجولة أوائل الشهر المقبل تشمل عددا من دول حوض النيل وبينها جنوب السودان.

وإزاء الحفاوة التي لقيها ميارديت في إسرائيل حيث استقبله رئيسها شمعون بيريز ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وبالنظر إلى وصف ميارديت للزيارة بأنها تاريخية، فقد عبرت وسائل إعلام مصرية عن مشاعر القلق من أن يكون التقدم في العلاقات بين جنوب السودان وإسرائيل على حساب علاقة الجنوب بمصر والعرب.

لكن وزير الخارجية المصري رد على تساؤل في هذا الصدد خلال مؤتمر صحفي عقده الأربعاء، مؤكدا أن مصر موجودة بقوة في جنوب السودان وفي حوض النيل، وذلك عبر خبرائها ومعوناتها الفنية على وجه الخصوص، إضافة إلى الزيارات التي يجري الإعداد لها.

اتجاه مصر عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني نحو إعادة النظر في علاقاتها الخارجية في أفريقيا بما يستهدف إقامة علاقات طيبة مع هذه الدول وعلى رأسها شمال السودان وجنوبه
لا تنافس
ومن جانبه، أوضح مساعد وزير الخارجية لشؤون السودان، السفير محمد مرسي أن جولة وزير الخارجية ستشمل كينيا وتنزانيا ورواندا وأوغندا إضافة إلى جنوب السودان، وذلك في إطار دعم العلاقات بين البلدين وتعزيز المصالح المشتركة، كما يجري في نفس الوقت الإعداد لزيارة يقوم بها الوزير إلى شمال السودان.

في الوقت نفسه، اعتبر مرسي أنه لا يوجد تنافس بين مصر وإسرائيل في علاقاتهما بأفريقيا، مشيرا إلى أن مصر لديها مشروعات قائمة مع دولة جنوب السودان فى مجالات متنوعة وتمت دعوة وزراء جنوبيين لزيارة مصر وبحث التعاون في عدة مجالات مثل الكهرباء والري ومجالات الدعم الفني.

وعن زيارة سلفاكير لإسرائيل، قال مساعد وزير الخارجية المصري إن جنوب السودان دولة مستقلة ولها كامل الحرية في إدارة علاقاتها الخارجية بالطريقة التى تراها مناسبة، وفي الوقت نفسه فإن مصر تدير علاقاتها وفقا لأولوياتها ومصالحها، "ولا يعنينا ماذا تفعل إسرائيل بقدر ما نفعل لتوطيد علاقاتنا بالدول الأخرى، ولا نربط تواجدنا بدور إسرائيل فلسنا في منافسة معها وندير مصالحنا وفقا لرؤيتنا".

لكن مرسي قال في الوقت نفسه إنه لا يوجد ما يمنع القاهرة أن تتابع النشاط الإسرائيلي بالمنطقة مثلما تتابع النشاط الأميركي والأوروبي.

وعن انزعاج البعض من زيارة سلفاكير لإسرائيل قال مرسي، لا يمكننا أن نحظر على آخرين الانزعاج أو القلق أو إبداء الرؤى إلا أننا ندير علاقاتنا مع جنوب السودان وبقية دول حوض النيل بإستراتيجية تعززها الروابط التاريخية الوثيقة والمصالح المشتركة.

وأشار مساعد وزير الخارجية المصري إلى اتجاه مصر عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك نحو إعادة النظر في علاقاتها الخارجية في أفريقيا بما يستهدف إقامة علاقات طيبة مع هذه الدول وعلى رأسها شمال السودان وجنوبه.

 خبير بالشؤون الأفريقية عطية عيسوي: الخطر يرتبط بمسار العلاقات بين مصر وإسرائيل (الجزيرة نت)
سد الفراغ
وعن حقيقة التأثر المصري بزيارة سلفاكير لإسرائيل وما يتوقع أن يتبعها من تعزيز للعلاقات بين الجانبين، قال خبير الشؤون الأفريقية عطية عيسوي للجزيرة نت إن الأمر يتوقف على المسار المستقبلي للعلاقات بين جنوب السودان وإسرائيل، فإذا كانت ستقتصر على استفادة الجنوب من الدعم الإسرائيلي خصوصا لبنيتها التحتية، فلا مشكلة لكن المخاوف أن يكون هذا التعاون على حساب مصر والسودان.

ويرى عيسوي أن إسرائيل يمكنها سد فراغ كبير في جنوب السودان خصوصا في مجالات التدريب العسكري والتسليح إضافة إلى مساعدة الجنوب على تشكيل جهاز مخابرات قوي، وكذلك الجانب الاقتصادي، خاصة أن إسرائيل ستكون مدعومة في هذا الجانب من الولايات المتحدة والمؤسسات المالية العالمية التي تسيطر عليها أميركا ودول غرب أوروبا.

لكن خبير الشؤون الأفريقية يعتقد أن الخطر الذي يمكن أن تشكله علاقات جنوب السودان مع إسرائيل يرتبط إلى حد كبير بمسار العلاقات الثنائية بين مصر وإسرائيل وبشكل أعم العلاقات العربية الإسرائيلية، فإذا ساءت علاقات القاهرة بتل أبيب أو اتجهت مصر الثورة لقيادة تكتل عربي ضد إسرائيل، فإن الأخيرة ستستخدم جنوب السوان كـ"مخلب قط" للإضرار بالمصالح المصرية أو على الأقل الضغط عليها خصوصا في مياه النيل.

ومن جهة أخرى يعتقد عيسوي أن مصر لم تستغل الثورة كما ينبغي لتحسين علاقاتها مع حوض النيل، مشيرا إلى أن هذا التحسين يحتاج تنازلات متبادلة وحتى الآن يبدو أن الطرف الآخر لا يرغب في التنازل وبالتالي فإن مصر تتردد في التنازل عن بعض ما كان يمكن أن تقدمه للمساعدة في ترطيب العلاقات.

عوامل معاكسة
وعن دور الخارجية المصرية يرى خبير الشؤون الأفريقية أن الخارجية لا تستطيع وحدها التعامل مع هذا الملف الضخم خاصة بعد التكتل الذي شكلته ست من دول المنبع يمكن أن تزيد إلى ثماني دول إذا انضمت الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان، ومع تداخل عوامل محلية وإقليمية ودولية متعددة.

ويجمل عيسوي العوامل التي تصعب الموقف المصري، في رحيل القيادات التاريخية الأفريقية التي كانت تشعر بالامتنان للدور المصري في مساعدة دولها على الاستقلال، وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتزايد الدور الإسرائيلي المحرض في أفريقيا، إضافة إلى عدم قدرة مصر على تقديم المساعدات التي تقنع دول الحوض بأن تدعيم العلاقات مع مصر أفضل من إسرائيل.

وختم عيسوي بأن مصر تتأثر كذلك باتجاه عربي عام يتجاهل أو ينشغل عن تقديم الدعم والمساندة لجنوب السودان ودول حوض النيل، وهو ما يحول هذه الدول من أصدقاء للعرب إلى أصدقاء لإسرائيل، مع أن هذه الدول تمثل عمقا مهما ومجالا حيويا لكثير من الدول العربية.

المصدر : الجزيرة