الرئيس الصيني هو جينتاو (يمين) يستقبل كيم جونغ إيل (الفرنسية-أرشيف) 

عزت شحرور-بكين

ليس من عادة الرؤساء الصينيين طيلة العقود الأربعة الماضية زيارة السفارات الأجنبية لدى بلادهم لتقديم واجب العزاء بوفاة نظرائهم من رؤساء الدول الأخرى.

استثناءان فقط كُسر فيهما هذا التقليد، وكلاهما من أجل خاطر كوريا الشمالية، الاستثناء الأول كان عام 1994 عندما قام الرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين بزيارة سفارة كوريا الشمالية للتعزية بوفاة زعيمها ومؤسسها كيم إيل سونغ.

والاستثناء الثاني هو الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس الصيني هيو جينتاو إلى السفارة نفسها للتعزية برحيل الرئيس الكوري الشمالي كيم يونغ إيل.

ففي قراءته للعلاقة التاريخية الجامعة بين الصين وحليفتها كوريا الشمالية، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشعب الصينية جانغ مين إنه "لا يمكن الحكم أو النظر إلى علاقة الصين بكوريا الشمالية من منظور العلاقات الدولية الطبيعية بين الدول، إنها علاقات خاصة وفوق طبيعية ولا تخضع للقوانين والاتفاقات المتعارف عليها في العلاقات الدولية".

وضمن تمظهرات هذه العلاقة، كان الحزب الشيوعي الصيني قد أصدر بيانا نعى فيه الزعيم الكوري وعدّه صديقا حميما للشعب الصيني.

وأكد البيان وقوف الصين إلى جانب الشعب الكوري في محنته وطالبه بالالتفاف حول حزب العمل الكوري بقيادة كيم جونغ أون نجل الزعيم الراحل.

ويرى المراقبون أن مثل هذا البيان استثناء، تخلت فيه بكين عن أحد المبادئ الأساسية في سياستها الخارجية، وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، خاصة أن كيم (الحفيد) لم يحظ بعد بأي منصب حكومي أو حزبي رسمي يؤهله لقيادة البلاد.

 كيم تولى حكم البلاد عام 1994 بعد وفاة والده مؤسس الدولة الشيوعية كيم إيل سونغ (الفرنسية) 

الحكم الوراثي
مع ذلك، لا يرى الأستاذ الجامعي أن "دعوة بكين الشعب الكوري للالتفاف حول قيادته تدخل في الشؤون الداخلية".

واعتبر الأمر طبيعياَ كون الصين -وفق رأيه- كانت قد اعترفت وأقرت بشرعية الحكم الوراثي لعائلة كيم في كوريا الشمالية، وبالتالي فإنها "ملتزمة بالاعتراف بأن تؤول السلطة إلى نجله".

وأضاف في تصريح للجزيرة نت أن القيادة الصينية كانت قد التقت بكيم الابن أثناء مرافقته لوالده الراحل في زياراته المتكررة إلى الصين، وبالتالي "كان الاعتراف به خليفة محتملا سابقا لوفاة والده".

ويرى مراقبون أن استعجال الصين -صاحبة النفوذ الأقوى والقادرة على التأثير بشكل ما على مجريات الأمور في كوريا الشمالية- الاعتراف بكيم الحفيد خليفة خطوة استباقية تهدف إلى منحه شرعية دولية وتقطع الطريق أمام أي صراع محتمل على السلطة أو وجود فراغ قيادي في البلاد.

ويفسر هذا "الاستعجال" بإدراك بكين لحساسية الفترة الراهنة في ظل أخطار محدقة من صراع محتمل على السلطة في كوريا الشمالية وافتقار الزعيم الجديد للخبرة القيادية الكافية في بلد نووي يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية خانقة.

زعيم كوريا الشمالية الجديد كيم جونغ أون (يمين) (الأوروبية-أرشيف) 

الانتقال السلس
وسيبقي هذا الواقع الجديد شبه الجزيرة الكورية ومنطقة شرق آسيا بأسرها في حالة ترقب بانتظار استكمال الانتقال السلس للسلطة في كوريا الشمالية.

وبالتزامن مع ذلك، تستعد الأخيرة بدورها لاحتفالات ضخمة العام القادم بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لميلاد زعيمها ومؤسسها كيم إيل سونغ والتي تعهدت بأن تعلن عن نفسها بهذه المناسبة قوة إقليمية محورية اقتصاديا وعسكريا.

ولهذا تراقب بكين بحذر تطورات الأوضاع، وكانت قد استبقت الاجتماع الثلاثي المزمع بين واشنطن وسول وطوكيو، وحذرت من ممارسة أي ضغوط دولية على بيونغ يانغ في هذه الظروف الدقيقة سواء تعلق ذلك بـبرنامجها النووي أو سجلها في حقوق الإنسان أو مطالبتها بمزيد من الانفتاح.

وقد وضعت الجغرافيا أسس هذه العلاقة الإستراتجية بين الحليفين قبل أن يدعمها التاريخ، فقد خاضت الصين حربا ضروسا إلى جانب جارتها الشمالية ضد الولايات المتحدة مطلع خمسينيات القرن الماضي وتكبدت خلالها ما يقارب من مليون قتيل بينهم نجل الزعيم الصيني الراحل ماو زي دونغ.

"صداع إستراتيجي"
مع ذلك، ترى بعض الأوساط الصينية أن التحالف بين البلدين "صداع إستراتيجي" للصين وعبء أكثر مما هو مصلحة وعمق إستراتيجي.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى التعليقات الكثيرة لبعض المدونين الصينيين على صفحات الإنترنت، التي ذهب بعضها إلى حد التهكم على رحيل الزعيم الكوري الشمالي بوصفه "آخر أصدقاء الصين الراحلين".

بل ذهب بعضهم إلى حد ربط رحيله عن عمر 69 عاما بقانون العقار الصيني الذي يسمح للعائلة بتملك العقار لمدة سبعين عاما فقط، وبأن هذا ما حدث للاتحاد السوفياتي سابقا الذي انهار بعد 69 عاما على تأسيسه.

وكذلك الأمر بالنسبة للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي والرئيس اليميني علي عبد الله صالح والرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذين "أطيح" بهم جميعا عندما بلغوا سن 69 عاما دون أن يجرؤ أي من المدونين بالطبع إلى التنويه بأن الرئيس الصيني هو جينتاو في الـ69 من عمره أيضا.

المصدر : الجزيرة