عدد من الأهالي والحقوقيين يرفعون لافتات تتضمن مطالبهم (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط

شهدت ذكرى عيد الاستقلال التي تمر هذه الأيام بموريتانيا حملة غير مسبوقة من الهيئات الحقوقية للتضامن مع أهالي العسكريين الزنوج الذين أعدموا بذات المناسبة (ذكرى الاستقلال) خلال العام 1990 ضمن حملة أمنية واسعة شنها نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع, واستهدفت مجموعات زنجية بعد اتهامه لضباط زنوج بالتخطيط لقلب نظام الحكم عسكريا.

ونظمت أكثر من ثلاثين منظمة حقوقية قافلة ضمت عشرات النشطاء الحقوقيين إلى بلدة إنال بأقصى الشمال الغربي لموريتانيا (نحو 450 كلم من العاصمة نواكشوط) التي كانت مقرا للثكنة العسكرية التي أعدم فيها 28 عسكريا زنجيا, بالتزامن مع الذكرى الثلاثين لعيد الاستقلال الوطني التي تحل يوم 28 من نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام.

وتقول المنظمات الحقوقية إن الثمانية والعشرين عسكريا ما بين ضابط وضابط صف وجندي أعدموا ليلة الاستقلال بدم بارد ودون أي محاكمة، ويقولون إن اختيار توقيت تلك الإعدامات ولد علاقة رمزية بين الحدثين تحول معها عيد الاستقلال إلى يوم مأتم لدى عدد معتبر من الزنوج.

أقام النشطاء صلاة الغائب على أرواح الضحايا وزاروا المكان الذين يعتقدون أن الضحايا دفنوا فيه (الجزيرة نت)
صلاة ودعاء
وبينما دأب الحقوقيون على تنظيم نشاطات وتظاهرات في العاصمة نواكشوط كل عام، قرروا هذه السنة بمبادرة من الحركة الانعتاقية الناشطة في مجال مناهضة العبودية المسير إلى بلدة إنال وتأبين الضحايا هناك رفقة عدد من أهالي وأمهات وذوي العسكريين الضحايا.

وأقام النشطاء صلاة الغائب على أرواح الضحايا، وزاروا المكان الذين يعتقدون أن الضحايا دفنوا فيه والذي أصبح اليوم ملعبا لكرة القدم وذلك رفقة بعض الناجين مما توصف بالمجزرة الجماعية ومن بينهم الضابط الزنجي محمدو سي الذي وثق مشاهد مروعة من الموت والتعذيب وفق ما يقول في كتابه "جحيم إنال.. رعب المعسكرات في موريتانيا".

وامتزجت دموع الأبناء بنحيب الأمهات خلال النشاطات التي نظمتها قافلة النشطاء ببلدة إنال، وأجهش عدد من الأهالي بالبكاء عند حديثهم عن أولادهم أو آبائهم الذين قتلوا هناك، وزادت الشهادة التي قدمها الضابط محمدو سي من تجييش مشاعر الأهالي على وجه التحديد.

وقال سي إنه بقي أياما في بلدة إينال عايش خلالها الموت بكل أشكاله، لكنه في ليلة الثامن والعشرين (ليلة الاستقلال) عايش مشاهد مختلفة حين بدأت حفلة الموت وفق تعبيره بتعليم الضحايا الثمانية والعشرين بأرقام وشارات محددة ليساقوا بعد ذلك إلى منصة الشنق والإعدام تباعا بدءا من منتصف الليل.

سي: ليلة الاستقلال بدأت حفلة الموت بتعليم الضحايا الثمانية والعشرين بأرقام ليساقوا لمنصة الإعدام تباعا (الجزيرة نت)
مطالب ورسائل
ويقول رئيس مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية الداعية لتنظيم القافلة بيرام ولد اعبيدي للجزيرة نت إنهم كمنظمات حقوقية يعتبرون أن ما حدث بين عامي 1986-1990 يمثل محاولة إبادة جماعية للزنوج، حيث تم استهدافهم كمواطنين بسطاء وكنخبة عسكرية ومدنية، مشيرا إلى أن تلك المحاولة بلغت ذروتها يوم 27 بإنال حين تم الشروع في إعدام 28 عسكريا بلا ذنب اقترفوه.

وأضاف أن المطلب الأساسي الذي حملته القافلة هو وضع كل مرتكبي ومنفذي ما يصفها بجرائم الإبادة الجماعية تحت يد العدالة.

وأكد أن محاسبة الضالعين في هذه الجرائم سيمكن من تحقيق الانسجام الاجتماعي، ومنع تكرار مثل هذه الحوادث البشعة، والتي ترمز وفقه إلى منتهى الوحشية في التعامل الإنساني.

وانتقد ولد اعبيدي بشدة منسقية المعارضة وتقاعسها عن المشاركة في القافلة، وقال إن ذلك التصرف يشكل محنة أخلاقية وفضيحة سياسية لأحزاب وقوى تدعي أنها تحارب الظلم وتناصر المظلومين.

صلاة ودعاء في بلدة إنال (الجزيرة نت)
جهود رسمية
وكانت الحكومة قد وضعت خطة لجبر الضرر الذي حل بأهالي الزنوج الذين تعرضوا للقمع خلال تلك الفترة، وقامت الحكومة بالتعويض المادي لأهالي العسكريين، كما أدى رئيس البلاد محمد ولد عبد العزيز صلاة الغائب على أرواح الضحايا بمدينة كيهيدي ذات الغالبية الزنجية والواقعة بأقصى الجنوب الشرقي.

وتؤكد الحكومة أنها ماضية في خطتها ومساعيها تلك لتسوية الملف، وفي مايو/ أيار الماضي أعلنت عن تشكيل لجنة لدراسة ملفات الضحايا المختفين والمجهولة قبورهم، وكلفتها بوضع مخطط يضمن الوصول إلى أماكن دفن الضحايا والمختفين وكشفها لذويهم.

المصدر : الجزيرة