مكتبة مكة المكرمة حيث ولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم (الجزيرة نت)

سيدي محمود هلال-مكة المكرمة

يشتكي كثير من الحجاج ومن سكان مكة من الطمس المستمر لمعالم المدينة المكرمة وآثارها التاريخية، التي يعتبرونها كتابا مفتوحا يلقن بالإسلام ومبتدأ الرسالة، فلكل حجر بمكة قصة ترتبط بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته وأصحابه.

ولكن فريقا آخر من أهل البلاد يرى أن إشهار هذه المعالم يتيح لمن يسمونهم ذوي العقائد الفاسدة والضعيفة أن ينشغلوا بالآثار، ليتبركوا بها ويتمسحوا، إن لم يقولوا إنهم يعبدونها من دون الله أوثانا.

ويحتج هؤلاء بضرورة توسيع الحرم، ويغتنمون فرصة ذلك -حسب الطائفة الأخرى- ليقضوا على كل الآثار التي يتلهف الحجاج والمعتمرون لرؤيتها والوقوف عندها.

ولا تهمنا حجة هذا الفريق أو ذاك، فهي منشورة ومشهورة بين أتباع الفريقين، بل الذي يهمنا هو ما ذا بقي من آثار فترة النبوة بهذه المدينة التي عاش فيها النبي صلى الله عليه وسلم 13 عاما من الدعوة، بعد أن بلغ الأربعين بين شعابها.

آثار باقية
ولا شك أن من المعالم الظاهرة في مكة -وإن لم يستو الناس في معرفته- مكان مولد النبي صلى الله عليه وسلم الذي تقوم فيه الآن مكتبة مكة المكرمة خلف المروة، ويزوره الحجاج متكتمين عادة ومتسترين وراء البحث عن الكتب، خلافا للشاب الباكستاني نواز الذي يقول صراحة إنه يزور مكان المولد.

امرأة تصلى ناحية عمود الإسراء (الجزيرة نت)
ومن المعالم التي لا يُختلف فيها جبل النور حيث بدأ الوحي في غار حراء على قمته، وجبل ثور حيث انطلقت الهجرة، وجبل الرحمة حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، يعلم الناس دينهم ويودعهم بعد أن نزلت عيه خاتمة الرسالة "اليوم أكملت لكم دينكم.." الآية.

ومن المعالم المشهورة كذلك مدفن أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بالمعلاة، ومدفن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بسرف عند مدخل مكة مما يلي المدينة.

وإذا كانت هناك معالم أخرى لا تزال بارزة كمسجد البيعة بمنى ومسجد الخيف ومجر الكبش -حيث فـُدي إسماعيل عليه السلام بذبح عظيم يوم كان إبراهيم عليه السلام يريد ذبحه- فإن معالم أخرى لم تعد بذلك المستوى من الظهور.

ومن تلك الأماكن -التي يعرف أغلب الناس بمكة مكانها رغم طمس أعيانها- مكان زمزم داخل المطاف، ودار الندوة التي تقع خلف الحجر، وطريق البراق من الحجر إلى باب الصفا.

ومن المعالم الظاهرة غير المشهورة، عمود يسمونه عمود الإسراء، ويقال إنه في المكان الذي أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم منه إلى المسجد الأقصى.

وتجد بعض من يعرفونه -كما يقول أحد مسؤولي مكتب الدعوة المجاور له- يتمسحون به، بل ويصلون إلى جهته ولو لم يكن تجاه الكعبة، وهو ما يعطي وجاهة لرأي من يعتقدون ضرورة إخفاء هذه الأوثان.

ويقول هذا المسؤول -الذي خاطبته باعتباري مؤرخا- إن كل هذه المعالم مشكوك في صحة نسبتها، وإن معظمها اشتهر بعد عهد النبوة، وانتقد الاهتمام بها.

معالم خفية
ولكن الشيء الغريب أن البيت الذي أقام فيه النبي صلى الله عليه وسلم 28 سنة ونزل فيه أغلب القرآن المكي، لا يعرف أنه عند زاوية دورات المياه التي عند المروة إلا خبراء الآثار من أهل مكة، الذين يخوضون حربا ضروسا للحفاظ على تلك الكنوز، كما يقول المطوف ومنظم الرحلات سمير برقة.

 سمير برقة: وضعنا إحداثيات لكل المعالم التي تمكنا من تحديدها (الجزيرة نت)
ويحدثك هذا الرجل عن معالم مكة المطموسة، فيعد ما شاء الله من المساجد، كمسجد الراية الذي أزيل قبل ستة أشهر، حيث ركز النبي صلى الله عليه وسلم رايته يوم الفتح، ومسجد الغنم حيث بايع أهل مكة وعفا عنهم، ومسجد الجن، ومسجد الإجابة.

ويحدثك عن بئر طوى وبئر قصي بن كلاب، كما يحدثك عن المعلاة والحجون، وعن شعب بني هاشم، وهو يرسم مربعات على ورقة، ويؤشر عليها هذا المكان كذا وهذا كذا.

ويعرج برقة -في حديثه للجزيرة نت- على الجهود التي قام بها مع مجموعة من الباحثين من أجل الحفاظ على آثار مكة، فيقول إنهم وضعوا إحداثيات لكل المعالم التي استطاعوا تحديد أماكنها، وحفظوا صور معظمها قبل أن تزال وتطمس.

ومهما تكن وجاهة أقوال من يؤيدون طمس معالم مكة ومن يريدون إشهارها، فإن المسلمين يبقون متشوقين إلى كل ما يمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصلة، ويتعلقون به رغبة في ربط الصلة بخاتم الأنبياء وشفيع الخلق يوم القيامة.

المصدر : الجزيرة