الكمامات باتت ضرورية للمتظاهرين بميدان التحرير في ظل إطلاق الأمن للغازات (الجزيرة نت)

أنس زكي-القاهرة

إذا أردت دخول ميدان التحرير في القاهرة للمشاركة في المظاهرات الجارية حاليا أو لتغطيتها إعلاميا أو حتى لمجرد المشاهدة، فلا بد لك أولا من إبراز بطاقة الهوية لأعضاء اللجان الشعبية المنتشرين على مداخل الميدان من أجل تفتيش القادمين وتوقي خطر المندسين.

وبعد دخولك الميدان ستشعر دفئا خاصا يختلف عن جو القاهرة هذه الأيام، ولذلك فليس من الضروري أن ترتدي ملابس ثقيلة، لكن المهم أن تصطحب معك كلمة السر في الميدان هذه الأيام وهي الكمامة التي تضعها على الأنف وحبذا لو رافقتها نظارة تقي العين.

فبعدما أوشك الشباب الثائر في مصر على التكيف مع الغازات المدمعة التي تطلقها قوات الأمن، يبدو أن الأخيرة باتت تستخدم أنواعا أشد أثرا وأكثر فتكا مقارنة بما كانت تستخدمه خلال مواجهة الثورة التي انطلقت يوم 25 يناير/كانون الثاني الماضي ونجحت في النهاية في الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك بعد 30 عاما قضاها في السلطة.

وإذا كان الكثيرون يستغربون تجدد الثورة المصرية بهذه الحدة والمطالبة الحاسمة من جانب المتظاهرين بسرعة إنهاء حكم العسكر، فإن من يقضي ساعات بميدان التحرير ويشاهد عمليات الكر والفر بين المتظاهرين وقوات الأمن، يدرك حجم التحدي الذي يعتمل في نفوس المتظاهرين بعدما شعروا بأنهم يتعرضون لخداع مستمر من جانب السلطات.

النظارات باتت إلى جانب الكمامات من اللوازم الأساسية لدخول ميدان التحرير (الجزيرة نت)
نقمة على الشرطة
أحد المتظاهرين تحدث للجزيرة نت وصبّ جام غضبه على المجلس العسكري الحاكم وعلى الشرطة التي قال إنها غابت أو تراخت خلال الأشهر الأخيرة لتترك حياة المصريين في فوضى متعمدة، ثم ظهرت جحافلها بالمئات لتجلي عشرات المعتصمين بالقوة من ميدان التحرير رغم أن معظم المعتصمين كانوا من مصابي الثورة ولم يتسببوا في أي تعطيل للمرور بالميدان
.

متظاهر آخر قال إن كثيرين أتوا خصيصا لتحدي القمع الأمني وإثبات أنهم لم يعودوا يخشون هذا القمع مهما استخدم من أسلحة، ولتأكيد مطالبتهم بمحاسبة من يستبيح دماء الشعب، وسرعة نقل السلطة للمدنيين بعدما شعروا بأن المجلس العسكري الحالي ليس إلا امتدادا لنظام مبارك.

وعلى مدى الأيام الثلاثة الماضية لم يتراجع الشباب في مواجهة قوات الأمن المركزي خصوصا في شارع محمد محمود حيث يوجد مقر وزارة الداخلية وكذلك شارع التحرير اللذين شهدا القدر الأكبر من عمليات إطلاق الغاز المثير للأعصاب والمدمع، حيث قالت مصادر حقوقية إن الأمن يستخدم نوعا جديدا من قنابل الغاز يصنف كأحد أنواع الأسلحة الكيميائية المحظورة.

والمثير أن المتظاهرين سرعان ما هيؤوا أنفسهم للأمر حيث تجد مجموعات تحمل سائلا صنعته بأنفسها تسارع بإلقائه على وجه من يتعرض لاستنشاق الغاز من أجل تخفيف آلامه، ومجموعات أخرى تبدأ على الفور في إجراء إسعافات أولية للمصاب، وإذا تبين أن الإصابة خطيرة فإن متطوعين ينخرطون على الفور في عمل ممر آمن وسط الزحام لتنطلق داخله دراجة نارية تحمل المصاب إلى أحد المستشفيات الميدانية التي أقامها متطوعون بإمكانات بالغة التواضع.

متظاهرون يخلون طريقا للدراجات النارية التي تنقل المصابين لأقرب مستشفى ميداني (الجزيرة نت)
باعة ومتطوعون
كثافة الغاز ونوعيته، جعلت من ارتداء الكمامة أمرا مهما للغاية، ولذلك تجد العديد من الباعة الذين ينتشرون في الميدان والشوارع المتفرعة منه لبيع الكمامات التي يمكن الحصول عليها أيضا من متطوعين لا يبخل بعضهم أيضا بتقديم بعض الأغذية والمشروبات البسيطة
.

ولا تقتصر أخطار قنابل الغاز الجديدة على الجهاز التنفسي، حيث قال أطباء بالمستشفى الميداني إنها تسبب التهابات شديدة في العين ويمكن أن تؤدي إلى نوع من العمى المؤقت، وأضافوا أنهم لا يملكون لمواجهة هذه الحالات إلا نوعا من "القطرات" تسبب اتساعا لحدقة العين مما يساعد على تخفيف الآلام ريثما يتم نقل المصابين إلى المستشفيات.

إطلاق قنابل الغاز لم يتوقف، لكن المتظاهرين بدورهم لم يتراجعوا في إصرار لافت يستعين بوسائل بسيطة هي الكمامة والنظارة وقطرة العين، لكنه يعتمد في الأساس على معتقدات باتت راسخة بضرورة التغيير الحقيقي مهما كانت التضحيات.

المصدر : الجزيرة