الورقة تؤكد أن تعليق عضوية سوريا يشكل موقفا عربيا جديا لم يسبق له مثيل (الفرنسية)

اعتبر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في ورقة تقدير موقف أصدرها عقب اختتام أعمال اجتماع وزراء الخارجية العرب بالرباط أن قرار جامعة الدول العربية القاضي بمنح سوريا مهلة ثلاثة أيام للتوقيع على بروتوكول خاص بحماية المدنيين خطوة مهمة في العمل العربي المشترك.

فالقرار يأتي –حسب المركز- في أعقاب قرار آخر لا يقل أهمية عنه يتعلق بتجميد مشاركة الوفود السورية في الجامعة العربية إلى حين امتثال النظام السوري لمطلب إيقاف قمع وقتل المتظاهرين.

من جهة أخرى أثنت الورقة على القرارين مؤكدة أن العمل العربي المشترك لم يكن قادرا حتى وقت قريب على التعامل مع الأزمة السورية بطريقة مجدية وذلك لأسباب عدة أهمها أن هياكل الجامعة لا تضم آلية خاصة بإدارة الأزمات المحلية.

وبالرغم من أن المرء لا يمكن أن يقارن بين ما يجري في سوريا اليوم وما جرى في لبنان في السبعينيات من القرن الماضي، فإن هناك مخاوف معقولة تماما من احتمال توسع النزاع السوري وانفجار المجتمع بمكوناته المختلفة وعدم قدرة النخبة على لملمة الوضع.

وركزت الورقة على الأبعاد التي يمكن أن يأخذها أي قرار يتخذ في سوريا بسبب أهميتها الإستراتيجية، وكونها من دول المواجهة مع إسرائيل إذ إن جزءا من أراضيها (الجولان) لا يزال محتلا حتى الآن من قبل إسرائيل.


جانب من الاجتماع الوزاري المنعقد بالرباط لبحث الوضع السوري (الجزيرة)
إجماع عربي
واعتبرت لجنة تحليل السياسات معدة الورقة، أن المبادرة تشكل موقفا عربيا جديا لم يسبق له مثيل تجاه السلطة السورية.

وتناولت في هذا الصدد مختلف المواقف العضوية، مشيرة إلى موقف مصر التي رفضت إغلاق سفارتها في دمشق وسحب سفيرها حتى في حال تعليق عضوية سوريا، انطلاقا من اعتقادها ضرورة الإبقاء على جسر للتواصل مع دمشق.

كما رفضت القيادة اللبنانية القرار الداعي إلى تعليق العضوية حرصا على "حماية الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي" حسب ما صرح به رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي.

 أما العراق فلم يعارض ولم يؤيد لاعتقاد وزير خارجيته أن بلاده التي تمر بوضع دقيق أيضا ستتأثر بأي موقف يتخذه من الأزمة السورية.

غير العرب
وترى الورقة أن مواقف دول الجوار من غير العرب تفاوتت بين موقف إيران الحليف القديم للنظام السوري والموقف التركي.

 فطهران متضايقة إلى أبعد حد مما يجري في سوريا، ولا تزال تكرر أنه "ينبغي ترك الشأن السوري للسوريين" وأنها ترفض التدخل الأجنبي.

كما تتهم الولايات المتحدة وبلدانا غربية أخرى بمساندة المعارضة السورية بتقديم الأسلحة إليها، وهو اتهام وجهته أيضا دمشق لواشنطن وحلفائها.

وأما تركيا، فقد هاجمت النظام السوري متهمة الرئيس بشار الأسد بأنه "عديم المصداقية لعدم التزامه بتطبيق الاتفاقية التي أبرمها مع الجامعة العربية بشأن وقف أعمال العنف والقتل ضد المتظاهرين".

وقد وجهت تحذيرا شديد اللهجة إلى سوريا على لسان وزير خارجيتها داود أوغلو الذي أكد في افتتاح المنتدى العربي التركي بالرباط "أن النظام السوري سيدفع غاليا جدا ثمن أفعاله".



موقف إسرائيل
تؤكد الورقة أنه بالرغم من أن هم إسرائيل الأساسي الآن هو إيران فلا شك أنها تربط بين الأزمة في سوريا والوضع الإيراني.

فبعض المراقبين الإسرائيليين يرون أن إضعاف النظام السوري سيلهيه عن تقديم الدعم لطهران في حال تفكير إسرائيل في ضربة عسكرية لإيران.

بالرغم من أن هم إسرائيل الأساسي الآن هو إيران فلا شك أنها تربط بين الأزمة في سوريا والوضع الإيراني
إضافة إلى ذلك، فستكون إسرائيل أكثر ارتياحا بتوقف الدعم السوري لحزب الله في لبنان، وأكثر ارتياحا إذا تخلت سوريا عن جميع الفصائل الفلسطينية الملتزمة بخط متشدد في المقاومة.

كما ستستفيد بلا شك إذا فشلت الجامعة العربية في احتواء الأزمة السورية ومعالجتها كقضية عربية داخلية وإذا لم تنجح في منع الانجرار إلى خيار التدويل والعسكرة.
 
الرد السوري
أكدت الورقة أن موقف النظام السوري من قرار الجامعة العربية اتسم بالارتباك بداية، من خلال رفض السفير يوسف أحمد القرار واعتباره ناجما عن مؤامرة عربية موجهة من أطراف دولية ضد سوريا.

ومن الواضح أن حكومة دمشق أدركت تماما أن قرار الجامعة مقدمة لتفاعلات إقليمية ودولية تفتح الباب لسلسلة من التدابير ضدها، أقلّها زيادة عزلتها وأقصاها تدخل عسكري يحسم الأمر بشكل نهائي.

 وتمثل ردها في مناورة تكتيكية للالتفاف على القرار من خلال التظاهر بالقبول به وإعلان الرغبة في تنفيذ بنود المبادرة العربية ودعوة الجامعة إلى إرسال مراقبين عرب لزيارة سوريا وطلب عقد قمة طارئة لحل الأزمة السورية في الإطار العربي.

وفي الوقت ذاته استمر النظام في ممارسة "دور الضحية" ومحاولة إغراق الجامعة بالتفاصيل بغية حث بعض الدول العربية على التراجع عن القرار.

واعتبرت الورقة أن التكتيك الرسمي السوري لم ينجح في زعزعة موقف الجامعة، خاصة بعد رفض دول مجلس التعاون الخليجي الطلب السوري بعقد قمة عربية طارئة.



سيناريوهات الأزمة
وخلصت الورقة إلى أن الوضع في سوريا يمكن أن يتطور حسب أربعة سيناريوهات ممكنة.

السيناريو الأول يتمثل في الاستجابة وإنتاج التغيير الديمقراطي، أما الثاني فهو الرفض واستمرار المناورة تكتيكيا من قبل النظام، والثالث هو قدرة المعارضة على الحسم بالاستفادة من الضغوط، وأما السيناريو الرابع والأخير فهو خيار التدخل العسكري.

وأشار المركز في هذا الإطار إلى أن السيناريو الأخير مستبعد في الوقت الراهن على اعتبار أن المبادرة العربية جاءت خطوة استباقية من قبل الجامعة لتفادي سيناريو تدويل الأزمة وانعطافها إلى مسار التدخل العسكري وفق النموذجين العراقي أو الليبي.

التدخل العسكري يعتبر الأخطر على سوريا وعلى العالم العربي، وسيشكل انتكاسة للربيع العربي الذي حصدت أول ثماره في تونس بعد انتخابات المجلس التأسيسي
وأضافت أن التدخل العسكري يعتبر الأخطر على سوريا وعلى العالم العربي، وسيشكل انتكاسة للربيع العربي الذي حصدت أول ثماره في تونس بعد انتخابات المجلس التأسيسي.

وسينطوي على بعد تقسيم طائفي ديني وإثني خطير في المجتمع السوري، وبالتالي ستشكل سوريا قاطرة سلبية لتمزيق المشرق العربي المتنوع بدلا عن أن تكون دولة ديمقراطية تشكل عاملا في التصدي للطائفية.

كما سيحجم أهمية سوريا ويعزلها عن التأثير إيجابيا في ملفات أساسية، خاصة الصراع مع إسرائيل، وستصبح ميدانا تتصارع فيه الإرادات الدولية والإقليمية وفقا لمصالحها.

واعتبرت الورقة أن هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الجامعة العربية والعمل العربي المشترك لإنتاج آليات تمنع حصول هذا السيناريو وتصنع حلولا ضمن الدائرة العربية فقط بعيدا عن أجندات ومصالح الفاعلين الإقليميين والدوليين.

 كما أن المعارضة السورية بكافة أطيافها تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية من خلال دورها السلبي آنيا وعجزها عن إنتاج الرؤية السياسية التي تحفز انخراط فئات الشعب بمعظمها وتدفعها لتلمس فوائد ومحاسن التغيير الديمقراطي.

 فرص الإنقاذ
أكدت الورقة أن المبادرة العربية شكلت فرصة لإنقاذ سوريا وتغيير نظامها بقطع النظر عن مصالح المتصارعين على السلطة، نظاما ومعارضة.

وهي أيضا مفتاح لحل الأزمة يحتم على جميع الأطراف تغليب المصلحة الوطنية ووضعها فوق الاعتبارات الشخصية الضيقة.

إذ من الواضح الآن أن ضرورة الانتقال إلى الديمقراطية باتت مسألة مفروغا منها، لكن السؤال الذي يجب على كل قيادة مسؤولة تصبو لقيادة الشعب السوري أن تطرحه، هو كيف سيتم ذلك من دون التضحية بسوريا.

المصدر : الجزيرة