أوجاع متجددة لا يجد لها المواطن المصري متنفسا إلا في ميدان التحرير (رويترز)

أشرف أصلان

قبل عشرة أيام فقط من أول انتخابات برلمانية بعد ثورة 25 يناير استعاد ميدان التحرير قدرا لافتا من الحراك السياسي والجماهيري، مذكرا بما كانت عليه الأوضاع قبل سقوط نظام حسني مبارك في 11 فبراير/شباط الماضي.

ويبدو أن الأطراف المختلفة بشأن دستور مصر المقبل اختارت دخول لعبة "عض الأصابع", وهي لعبة تنذر بخطر بالغ مع اقتراب موعد الانتخابات وفي ظل أوضاع أمنية واقتصادية تؤشر على التهاب الموقف.

ومن أبرز عناصر هذا المشهد الملتهب أن العديد من القوى السياسية ومرشحي الرئاسة المحتملين اختاروا الاحتكام مجددا إلى الشارع فيما عرف بـ"جمعة حماية الديمقراطية"، ردا على ما اعتبروه تعديلات غير مرضية لوثيقة "المبادئ فوق الدستورية" التي تعرف باسم "وثيقة السلمي" نسبة إلى علي السلمي نائب رئيس الوزراء.

وربما تفتح هذه المليونية التي تختلف عن سابقتها من حيث الحشد والأسباب واتفاق معظم القوى السياسية عليها سواء أكانت إسلامية أم ليبرالية, تفتح الباب واسعا لمزيد من المليونيات في ظل حالة انسداد للأفق السياسي تتزامن مع توترات اجتماعية وأمنية واقتصادية.

وقد تصدرت جماعة الإخوان المسلمين المشهد برفض الوثيقة وتعديلاتها، وحشدت عناصرها في مليونية أخرى تشارك فيها تيارات إسلامية أخرى كالسلفيين, إضافة إلى قوى ليبرالية رأت في الوثيقة توسيعا لصلاحيات المجلس العسكري على حساب البرلمان في الدستور المقترح.

تساؤلات متزايدة بالشارع المصري بشأن ما تم الاستفتاء عليه في مارس/آذار الماضي من تعديلات دستورية أقرتها أغلبية ساحقة بلغت 77.2%
الوثيقة القنبلة
وتنص الوثيقة مثلا على "اختصاص المجلس الأعلى للقوات المسلحة دون غيره بالنظر في كل ما يتعلق بالشؤون الخاصة بالقوات المسلحة، ومناقشة بنود ميزانيتها على أن يتم إدراجها رقما واحدا في موازنة الدولة، كما يختص المجلس دون غيره بالموافقة على أي تشريع يتعلق بالقوات المسلحة قبل إصداره".

أما المشكلة الأبرز فتمثلت بالمعايير التي وضعتها الوثيقة لاختيار أعضاء الجمعية التأسيسية التي ستتولى وضع الدستور، والتي تشير إلى صلاحيات واسعة للمجلس العسكري باختيار الأعضاء، فضلا عن حق "المجلس الأعلى للقوات المسلحة بما له من سلطات رئيس الجمهورية بالمرحلة الانتقالية أن يطلب من الجمعية التأسيسية إعادة النظر بهذه النصوص".

كما أن "للمجلس بما له من سلطات رئيس الجمهورية تشكيل جمعية تأسيسية جديدة وفقا للمعايير المتوافق عليها لإعداد مشروع الدستور".

ولم يقتصر صدام حكومة عصام شرف والمجلس العسكري مع القوى السياسية بشأن الوثيقة, إنما وصل الأمر إلى الجماعة الصحفية التي أكدت بحسب بيان لنقابة الصحفيين أن "الوثيقة تمكن الحكام من إصدار قوانين تكفل الرقابة على وسائل الإعلام ومصادرتها وتعطيلها".

وفي هذا الصدد ينص البند الـ14 في الوثيقة على أن "حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة ووسائل الإعلام مكفولة بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة وحقوق الغير والمقومات الأساسية للمجتمع المصري، ويحظر فرض الرقابة على وسائل الإعلام أو مصادرتها أو تعطيلها إلا بموجب حكم قضائي مسبب ولمدة محددة". وترى النقابة أن هذه الفقرة تمثل سابقة خطيرة باستحداث توجيه دستوري للبرلمان بإصدار تشريعات تفرض قيودا جديدة على حرية التعبير.

علامات استفهام
اللافت في هذا السياق أن الشارع المصري يضع علامات استفهام متزايدة بشأن ما تم الاستفتاء عليه في مارس/آذار الماضي من تعديلات أقرتها أغلبية ساحقة بلغت 77.2%، واعتبرت تصويتا على بقاء المادة التي تنص على اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع, وهو ما سماه بعض رموز التيار السلفي بـ"غزوة الصناديق".

وترد القوى الليبرالية والعلمانية على ذلك بأن أغلبية الناخبين صوتوا للاستقرار وعودة الأمن بعد مبارك، ولم يكن واردا في أذهانهم بشكل كبير إمكانية أن يهيمن الإسلاميون على وضع الدستور الجديد للبلاد.

غياب الأمن
كما تفرض علامات استفهام أخرى نفسها على الشارع المصري تتعلق بالوضع الأمني وكيفية تأمين لجان الانتخابات في ظل غياب لافت لجهاز الشرطة منذ الثورة، بل إن الآلاف من أمناء الشرطة المنوط بهم أساسا تأمين الانتخابات دخلوا أيضا على خط الاعتصامات والمطالب الفئوية.

ويرصد مراقبون الكثير من أعمال البلطجة التي تتسارع وتيرتها تارة تحت وطأة الضغوط الاقتصادية, وتارة ثانية بتوجيه ودفع من فلول الحزب الوطني المنحل, وربما تارة ثالثة على خلفية توتر طائفي بين المسلمين والأقباط.

الأخطر من ذلك في هذا المشهد الملتهب الذي يتسم بقدر لافت من الفوضى، ذلك الصدام بين جناحي العدالة من القضاة والمحامين بشأن قانون السلطة القضائية.

الآلاف من أمناء الشرطة دخلوا دائرة الاعتصامات والمطالب الفئوية
وقد وصل الصدام إلى حد الاشتباك وإطلاق الرصاص بأكثر من مناسبة وفي ساحات المحاكم, بينما تتوالى تهديدات من قضاة بعدم الإشراف على الانتخابات المقبلة, وهو الأمر الذي يفتح باب الطعن في النتائج ويجعل البرلمان المقبل كسابقيه في عهد مبارك.

أوجاع اقتصادية
وغير بعيد عن الأزمة يطل شبح الأزمات الاقتصادية ويسبب أوجاعا إضافية للشارع المصري. فقد تجاوزت الديون المصرية الحدود الآمنة وهي 60% من الناتج المحلي حسب أرقام وإحصاءات رسمية، حيث تجاوز الدين العام المحلي مؤخرا 167 مليار دولار مع نهاية العام المالي 2010/2011. يضاف إلى الدين العام المحلي نحو 34.9 مليار دولار تمثل الدين الخارجي.

هذا التطور يفتح الباب لاقتراض طالما ألحّ عليه صندوق النقد الدولي في محاولة لفرض أجندة إصلاح ترتبها دوائر المال الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا، لا تراعي الفقراء ومحدودي الدخل، بما ينذر بانفجار اجتماعي جديد.

وعلى خلفية هذه الأزمة تبدو المطالب الفئوية المتزايدة لقطاعات عمالية عديدة تعرضت للظلم والتهميش في عهد مبارك ووجدت الشارع ساحة مناسبة لانتزاع حقوقها, الأمر الذي عطل عجلة الإنتاج, ووضع حكومة شرف والمجلس العسكري أمام تحد بالغ الصعوبة في ظل نقص الموارد.

وإذا كان المشهد السياسي يبدو أكثر التباسا والتهابا قبيل الانتخابات البرلمانية, فإن الأمور تبدو أكثر تعقيدا مع طول الفترة الانتقالية والغموض بشأن الانتخابات الرئاسية، وسط مخاوف عبرت عنها قوى سياسية متعددة من بقاء المجلس العسكري في الحكم.

كل هذه التطورات جعلت من مليونية جمعة "حماية الديمقراطية" وغيرها من الاحتجاجات ضرورة بنظر قوى سياسية مختلفة, كما بدت أكثر إلحاحا على وقع ضغوط أمنية واقتصادية يعاني منها الشارع الذي يترقب لحظة الاستقرار.

فهل تعود ثورة مصر إلى مربع متأخر, على طريقة "خطوة للأمام.. خطوتان إلى الخلف"؟ الإجابة تحددها المليونيات المقبلة والمتوقعة، والنتيجة التي ستصل إليها معركة "عض الأصابع" بشأن دستور مصر القادم إزاء مدنية الدولة. 

المصدر : الجزيرة