بعض صراعات المصالح تتحول إلى أزمات تهدد باستخدام القوة العسكرية (رويترز- أرشيف)

تشير دراسة نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن هيكل النظام الدولي الحالي يؤثر على إدارة وحداته للأزمات الدولية من حيث التأثير على أدوات إدارتها ونتائجها.

كما يتأثر النظام الدولي ذاته بالطريقة التي تدار بها الأزمات الدولية -خاصة من جانب القوى العظمى- من حيث استقراره أو حدوث تغيرات طفيفة أو عميقة فيه، إلى حد حدوث تحول كامل فيه ليتخذ شكلا آخر من أشكال القطبية الدولية.

ويتطرق مؤلف الدراسة الباحث خليل عرنوس سليمان فيله إلى الموضوع انطلاقا من تحليل متغيرات ثلاثة هي التحيزات الدولية، وساحة الصراع الدولي، والقيم الدولية.

وتقدم الدراسة المعنونة بـ"الأزمة الدولية والنظام الدولي، دراسة في علاقة التأثير المتبادل بين إدارة الأزمات الإستراتيجية الدولية وهيكل النظام الدولي"، تحليلا مقارنا لإدارة الأزمة الدولية في ظل بنية النظام الدولي المختلفة (القطبية التعددية والثنائية والأحادية)، وهذا لفهم الكيفية التي تدار بها الأزمة الدولية وفقا لكل نمط من هذه الأنماط البنيوية، وكذا لفهم سلوك الدول الكبرى وإدراكها لحدود تأثير المتغير الدولي أثناء الأزمات الدولية.

طبيعة فوضوية
ويشير الباحث إلى أن النظام الدولي يلعب دورا ضابطا لسلوك وحداته أثناء إدارة الأزمات الإستراتيجية الدولية، إلا أن تكرار حدوث الأزمات الدولية في ظل نظام دولي معين يدل على الطبيعة الفوضوية Anarchic Nature للسياسات بين الدول في هذا النظام، فحيث لا توجد سلطة مركزية لضبط سلوك عددٍ كبير من الوحدات السياسية المستقلة، يستمر صراع المصالح بين هذه الوحدات. ويزيد هذا الصراع من فرص حدوث مواجهات عسكرية مباشرة بين الوحدات الدولية.

تجمع أدبيات الأزمة الدولية على أن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 كانت بمثابة نقلة نوعية في مجال الاهتمام بدراسة الأزمات الدولية، نظرًا إلى ما اتسمت به إدارة هذه الأزمة من درجة عالية من المرونة في ظل ظروف دولية حرجة

وعلى الرغم من أن مثل هذه المواجهات يمكن تجنبها من خلال التهدئة المتبادلة والحسابات الدقيقة للمصالح الخاصة، فإن بعض صراعات المصالح تكون شديدة وتتحول إلى أزمات تهدد باستخدام القوة العسكرية التي لا يمكن تجنبها في الغالب، ويتزايد العداء بين الدول إلى درجة تصبح فيها الحرب وشيكة أو محتملة الحدوث.

وتوضح الدراسة أنه عند اندلاع مثل هذه الأزمات فإن كيفية إدارتها تؤثر على العلاقات بين القوى العظمى، فهي قد تُجمّد الصراع بينها، أو قد تساهم في حل بعض القضايا التي انقسم الأطراف الرئيسيون في شأنها، ومن ثمَّ تمهد الطريق لتأسيس علاقات أكثر استقرارًا وتناسقًا على المدى البعيد.

وتتعرض الدراسة بشكلٍ مباشر لعلاقة التأثير المتبادل بين الأزمة الدولية وهيكل النظام الدولي حيث أشارت إلى أن الأزمات الدولية بدأت تلعب دورا محوريا في أحداث العالم منذ أوائل القرن العشرين، حيث مهّدت الأزمات التي أثارها هتلر في الثلاثينيات من القرن الماضي لاندلاع الحرب العالمية الثانية، وكادت الأزمات الدولية التي شهدتها فترة الحرب الباردة تفضي إلى مواجهة بين القوتين العظميين.

وتجمع أدبيات الأزمة الدولية على أن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 كانت بمثابة نقلة نوعية في مجال الاهتمام بدراسة الأزمات الدولية، نظرًا لما اتسمت به إدارة هذه الأزمة من درجة عالية من المرونة في ظل ظروف دولية حرجة من حيث الحاجة إلى سرعة اتخاذ قرار خلال زمن محدود ودرجة رشد عالية، نظرًا لما كان من الممكن أن يترتب على إدارة هذه الأزمة من مواجهة بين القوتين النوويتين العظميين.

صراعات حادة
وتوصل الباحث في ختام دراسته إلى أن تفسير التطورات في النظام الدولي يحول صراعات محددة إلى صراعات حادة، ومن ثمَّ التعجيل بظهور العديد من الأزمات كما تساعد دراسة النظام الدولي على فهم لماذا تظل الحرب ممكنة نسبيا، ولماذا يكون حل الأزمات سلميا أكثر صعوبة في ظل هيكل نظام دولي معين دون آخر.

وأكد أنه لم يعد هناك ما يُسمى بقوة متدخلة وأخرى مراقبة فيما يتعلق بإدارة الأزمات الإقليمية، فكل اللاعبين يأخذون دورهم ولو بدرجاتٍ متفاوتة. كما أن استخدام القوة العالمية في إدارة الأزمات الإقليمية أصبح أكثر سهولة ويُسرًا.

وفي نفس الوقت أصبح استخدام القوة الإقليمية في إدارة الأزمة الإقليمية أكثر صعوبة ومحفوفا بالمخاطر الكبرى لأنها أصبحت محكومة بطريقة أكثر انضباطا بقوى عالمية على استعداد للتدخل في أي وقت.

المصدر : الجزيرة