قوى سياسية مختلفة رفضت وثيقة السلمي (الجزيرة نت)

أشرف أصلان

لم يتوقف الجدل بشأن تعديلات الدستور المصري منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك في فبراير/شباط الماضي، مرورا بالاستفتاء على التعديلات في مارس/آذار، ووصولا إلى قنبلة سياسية ألقت بظلالها على الانتخابات البرلمانية المرتقبة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وهي تلك المعروفة بـ"وثيقة السلمي للمبادئ الحاكمة للدستور".

وإلى جانب تخوف القوى الإسلامية من تحجيم قدراتهم في تحديد شكل أي تعديل دستوري في المستقبل، أثارت قوى ليبرالية أخرى مخاوفها الخاصة المتعلقة بصلاحيات المؤسسة العسكرية التي تزايدت حسب وثيقة الأزمة التي حملت اسم علي السلمي نائب رئيس الوزراء.

بنود الأزمة
ومن بين أهم بنود الوثيقة التي تعرضت للانتقاد، ما ينص على "اختصاص المجلس الأعلى للقوات المسلحة دون غيره بالنظر في كل ما يتعلق بالشؤون الخاصة بالقوات المسلحة، ومناقشة بنود ميزانيتها على أن يتم إدراجها رقما واحدا في موازنة الدولة، كما يختص المجلس دون غيره بالموافقة على أي تشريع يتعلق بالقوات المسلحة قبل إصداره".

أما المشكلة الكبرى، فتتمثل بالمعايير التي وضعتها الوثيقة لاختيار أعضاء الجمعية التأسيسية التي ستتولى وضع الدستور، والتي تشير إلى صلاحيات واسعة للمجلس العسكري باختيار الأعضاء، فضلا عن حق "المجلس الأعلى للقوات المسلحة بما له من سلطات رئيس الجمهورية بالمرحلة الانتقالية أن يطلب من الجمعية التأسيسية إعادة النظر بهذه النصوص".

المجلس العسكري سعى مؤخرا لاحتواء غضب القوى السياسية بشأن التعديلات (الجزيرة)
كما "يكون للمجلس بما له من سلطات رئيس الجمهورية تشكيل جمعية تأسيسية جديدة وفقا للمعايير المتوافق عليها لإعداد مشروع الدستور".

انقلاب
وفي هذا السياق، اعتبر محمد البلتاجي الأمين العام لحزب الحرية والعدالة المنبثق عن الإخوان المسلمين أن الوثيقة تمثل انقلابا على الدولة المدنية، ورأى أنها تقيد عمل البرلمان بمراقبة المؤسسة العسكرية وتضاعف صلاحياتها.

وأكد محمود غزلان المتحدث الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، أن الجماعة لن تتراجع عن موقفها بشأن وثيقة السلمي، بإلغائها أو تعديلها بالطريقة التي ترضي القوى السياسية "أو يعلن أنها استرشادية فقط".

أما التيار السلفي ممثلا بحزب "النور" فقد اعتبر الوثيقة التفافا على الإرادة الشعبية، ودعا للتصدي لها. واعتبر المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية عبد المنعم الشحات أن وثيقة السلمي "أول خيط لتقسيم مصر".

بدوره، رأى رئيس لجنة التعديلات الدستورية المستشار طارق البشري أنه لا يجوز للمجلس العسكري إصدار إعلان بمبادئ دستورية جديدة تكون ملزمة عند وضع الدستور.

ودعا للتحرك الشعبي والتصدي للمجلس العسكري "إذا خالف حرفا واحدا مما صوت عليه الشعب في استفتاء مارس الماضي".

وقال البشري لقناة "الجزيرة مباشر مصر" إن الوثيقة تمثل مخالفة دستورية، وانقلابا على رأى الجماهير "ولا يجوز حتى للمحكمة الدستورية إقرارها".

وأوضح أن الوثيقة تمنح المجلس العسكري سلطة مراقبة الدستور كما تنص على عدم صدور أي قانون بشأن الجيش إلا بموافقة المجلس العسكري، "وهو ما يجعل الجيش خارج الدستور، وتقحمه في الأمور السياسية وهو ما يضر بالجيش نفسه".

البشري: وثيقة السلمي تمنح المجلس العسكري سلطة مراقبة الدستور (الجزيرة-أرشيف) 
الشريعة الإسلامية
وقد تركز خلاف القوى السياسية حول وضعية الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وهو الأمر الذي جسد الخلاف التقليدي بين التيارات الإسلامية والقوى الليبرالية والعلمانية.

ومع دخول تيارات إسلامية جديدة الشارع السياسي كالسلفيين، أخذت المواجهة بعدا أكثر سخونة وصل إلى حد إطلاق بعض أئمة السلفية عنوان "غزوة الصناديق" على نتيجة استفتاء مارس/آذار الذي أيد التعديلات بنسبة بلغت أكثر من 77%، وهي نتيجة رسخت وضعية الشريعة الإسلامية كمصدر رئيس للتشريع.

وظن الشارع أن المعركة انتهت بتصويت الأغلبية على التعديلات، لكن العكس تماما هو الذي حدث، واشتعلت النار التي كانت تحت الرماد فظهرت "المبادئ فوق الدستورية"، وهي مبادئ دعت لوضعها قوى ليبرالية لمنع الإسلاميين من إقرار التعديلات التي يريدونها في حالة فوزهم المحتمل بالأغلبية البرلمانية.

وقد لقيت وثيقة السلمي اعتراضا من عشرات الأحزاب السياسية وخمسة من المرشحين المحتملين للرئاسة، وهو الأمر الذي فاقم التوتر السياسي قبيل الانتخابات وساعد دعاة المليونيات الغاضبة في مهمتهم ضد المجلس العسكري.

وعلى وقع تلك الاحتجاجات بدأت التعديلات تطرق باب "وثيقة السلمي" التي تحركت لتحمل صفة "الاسترشادية" بالنسبة لأعضاء الجمعية التأسيسية التي ستتولى صياغة الدستور الجديد، كما أزالت التعديلات الكثير من المخاوف التي وردت في المادتين التاسعة والعاشرة، سواء عند الإسلاميين أو الليبراليين.

وهكذا يتضح من سيناريوهات أزمة وثيقة السلمي أن المجلس العسكري الحاكم في مصر يتحرك منتقلا من أزمة إلى أخرى، حيث لا حلول نهائية للكثير من الأمور، وهو ما يؤشر إلى أن الباب يبقى مفتوحا على مصراعيه أمام مزيد من الاحتمالات التي تضع علامات استفهام لافتة حول الانتخابات البرلمانية المقبلة.

كما يعني ذلك بقاء المعركة حول الدستور قائمة إلى أجل غير مسمى، حتى لو فازت التيارات الإسلامية بالأغلبية وتفردت بالأمر كما يتخوف الليبراليون والعلمانيون. 

المصدر : الجزيرة