مئات آلاف الإسرائيليين تظاهروا ضد الحكومة وهم يرفعون شعارات عربية وأعلاما مصرية (الفرنسية-أرشيف)

أحمد السباعي

دأب مثقفون وناشطون ومعارضون عرب على وصف الشعوب العربية بالخاملة التي "لا تفتح فمها إلا عند طبيب الأسنان"، وأضاف هؤلاء أن هذه الشعوب لا تستطيع أن تقتلع شجرة يابسة من أمام منزلها فكيف بحكام جثموا على صدورهم عقودا من الزمن.

لكن بعد 17 ديسمبر/ كانون الثاني 2010 (تاريخ قيام الشاب التونسي محمد البوعزيزي بإحراق نفسه في مدينته سيدي بوزيد جنوبي البلاد) تغيرت الصورة بشكل كبير، فحروق هذا الشاب الذي سئم وضعه الاجتماعي المتردي وتسلط الشرطة على المواطنين أزهرت ثورات اجتاحت العالم العربي من المحيط إلى الخليج.

وأطاحت هذه الثورات حتى الآن بثلاثة رؤساء عرب هم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي (فر من البلاد بعدما أن حكمها ثلاثة وعشرين عاما) والرئيس المصري حسني مبارك (تنحى بعد ثلاثة عقود من حكم البلاد) والعقيد الليبي معمر القذافي (أطاحت به ثورة عسكرية بعدما حكم البلاد 42 عاما).

عدوى الاحتجاجات انتشرت كالنار في الهشيم في الوطن العربي حيث شهدت معظم الدول العربية مظاهرات ومطالبات بإسقاط الأنظمة الحاكمة كان أعنفها في سوريا (أكثر من ثلاثة آلاف قتيل) واليمن (مئات القتلى) والبحرين (عشرات القتلى) إضافة إلى الأردن والمغرب والجزائر والعراق وسلطنة عمان وموريتانيا وفلسطين. واللافت أن كل هذه الاحتجاجات اعتمدت على لازمة واحدة وشعار واحد "الشعب يريد..".

هذه الهبة العربية التي ألهبت دور شعوب طالما كان تاريخها يشهد على مقاومة الطغاة وطرد الغزاة، ألهمت شعوبا في أقاصي العالم ودفعتهم للخروج في مظاهرات للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية. والمميز أن هذه الثورات اقتبست أسماء وشعارات ثورات الربيع العربي.

فلسطيني يشارك في الاحتجاجات بإسرائيل ويرفع شعارات بالعربية والعبرية
ربيع العرب عالمي
البداية كانت من روسيا حيث تظاهر المئات يوم 8 من فبراير/ شباط متأثرين بالثورتين التونسية والمصرية، ومُطالبين بتغيير الحكومة، وإيجاد الحلول للمشاكل الاقتصادية وسوء الأحوال المعيشية التي تعيشها البلاد، حيث بلغ عدد الناس تحت خط الفقر في روسيا 19.6% عام 2007.

كما دعت مجموعات صينية إلى احتجاجات تحت اسم "ثورة الياسمين" وهو الاسم الذي أطلقه الإعلام الغربي على الثورة التونسية. كما تظاهر صينيون يوم 20 من فبراير/ شباط في 13 مدينة مطالبين بفرص عمل ومسكن وحرية وعدالة وديمقراطية.

ومن الصين إلى إسرائيل الجار الأقرب للعرب حيث تظاهر مئات الآلاف ضد غلاء المعيشة في تل أبيب والقدس تحت شعار "ثورة الخيم"، ولم تشهد إسرائيل مظاهرات مماثلة منذ عقود للمطالبة بحاجات اجتماعية واقتصادية.

فالمطالب المعيشية التي حملتها الحركة الاحتجاجية الإسرائيلية في مواجهة حكومة بنيامين نتنياهو ربما لم ترفع شعار إسقاط الحكومة وتغيير النظام، كما هو الحال في العالم العربي، لكنها رفعت أعلاماً مصرية وشعارات مكتوبة بالعربية تنادي بالحرية والديمقراطية، وتطالب بإجراء إصلاحات تخفف من عبء تكاليف المعيشة عن المواطنين.

وبلغ استلهام المتظاهرين الإسرائيليين من روح الثورات العربية حد رفع شعارات تبدأ بالعبارة ذات الصنع العربي "الشعب يريد..".

كما ساهم الربيع العربي في كسر حواجز الصمت والخوف عند فلسطينيي 48، وعزز ثقتهم بذاتهم وحفز لديهم مشاعر الانتماء لشعبهم وأمتهم العربية، ليكون الشباب رأس حربة وناشطين خلفهم القيادات.

وتشكلت مجموعات شبابية تنادي بانتزاع الحقوق، وحملت همّ الإصلاح والتغيير، وقفت جنبا إلى جنب مع القيادات لخوض النضال بمعركة الأرض والمسكن وتنظيم المظاهرات وخيام الاعتصام، لمواجهة سياسة التطهير العرقي التي تنتهجها إسرائيل.

مظاهرات في نيويورك احتجاجا على سوء الظروف الاقتصادية (الفرنسية)
أوروبا وأميركا
كما اعتمدت المظاهرات التي شهدتها كل من إسبانيا والبرتغال على "طراز الربيع العربي" في الاحتجاجات والاعتصامات ورفع الشعارات حتى أصبحت صورة واحدة في أمكنة مختلفة.

وهذا ما دفع وسائل إعلام إسبانية إلى وصف مظاهرات واعتصامات الشباب الغاضب على الطبقة السياسية "بجيل التحرير" والحديث عن "ربيع إسباني" قادم ألهمه ربيع الثورات العربية.

اقتفاء أثر الشباب العربي لم يتوقف هنا بل وصل الولايات المتحدة، حيث شهدت مدن متفرقة مظاهرات ضد الجشع والصعوبات الاقتصادية دعت إليها عبر موقع "فيسبوك" حركة "احتلال وول ستريت" في القلب المالي لمدينة نيويورك.

واعتقلت الشرطة الأميركية أكثر من سبعمائة محتج بتهمة سد طرق المرور ومحاولة تنظيم مسيرة دون ترخيص.

واتخذت حملة الاحتجاجات ضد الشركات الكبرى بالولايات المتحدة زخما جديدا مع اتساع نطاقها لتبدأ بمناطق أخرى، وسط توقعات بأن يزداد حجمها تدريجيا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وعجز الإدارة الأميركية عن معالجة موضوع البطالة.

فبعد نيويورك خرج مئات المتظاهرين في كل من لوس أنجلوس -الذين يتظاهرون يوميا منذ السبت الماضي- وفي بوسطن حيث يعتصم أكثر من مائة شخص في أحد الشوارع الرئيسية.

وفي شيكاغو، يعتصم منذ  نحو أسبوعين نحو خمسين محتجا في الحي التجاري بالمنطقة التي تحتضن كبرى الشركات وأسواق المال.

وأفادت مصادر إعلامية أميركية بأن الحملة -التي يقول منظموها في نيويورك إنهم يستلهمون حراكهم من الثورات العربية- لا تزال في نطاق محدود حاليا، لكنها وبهذا التصاعد التدريجي ستصل قريبا إلى مرحلة التحرك الاحتجاجي الحقيقي مع استقطاب المزيد من الأفراد المستائين من الوضع الاقتصادي بشكل عام وسوء إدارة الرئيس باراك أوباما للشؤون المعيشية ولا سيما البطالة.

إذا، خرج الشعب العربي من قوقعة وضعته فيها أنظمة حكمت البلاد والعباد بالنار والحديد والدماء لعشرات السنين، ولم يكتف بهذا بل تحول أخيرا إلى ملهم لشعوب العالم للاحتجاج والتظاهر على سياسات حكام دأبوا على تقديم بلادهم على أنها جنات الخلد على الأرض.

المصدر : الجزيرة + وكالات