ميدان التحرير بمصر حرص على اغتنام رمزية يوم الجمعة وصلاة الجماعة (رويترز)

نشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، دراسة جديدة تتناول من منظور علم اجتماع الثقافة، ظاهرة التدين الشبابي التي ظهرت بأبهى حُلة لها في ميادين التحرير العربية
.

وقدم الباحث بالمركز هاني عواد مقاربة اجتماعية جديدة مفادها أن وسائل الإعلام الجديد، التي كان أبرزها مواقع التواصل الاجتماعي استطاعت أن تنسج مجالا عاما افتراضيا جعل الدين -بوصفه نظاما ثقافيا- يفلت من قبضة المؤسسات الاجتماعية التقليدية، ليصبح في متناول حالة فردية شبابية، فككته إلى مجموعة قيم، واستعملته في سبيل إعادة استدعاء حاجاتها الاجتماعية والحقوقية.

الدين كنظام ثقافي
وينتقد الباحث في دراسته "التدين الشبابي بوصفه نمطا منفلتا من المؤسسة الأيديولوجية"، نزوع الباحثين الاجتماعيين إلى التركيز على نقد الدين على حساب التدين والخلط بين الاثنين.

ويؤكد أن ذلك يحدث دون الانتباه إلى أن الشكل الأخير يعبر عن سلوكيات ثقافية ترتبط برموز أكثر مما ترتبط بمنظومة ثقافية متماسكة، لتساوي المقاربات التي طرحها مثقفون عرب بين الأيديولوجيا والدين، ولتستدعي أطروحات تتراوح بين فكرة الدين "أفيون الشعوب" والتفكير في "مجتمع السلف الصالح".

ويميل عواد -بدلا من ذلك- إلى اعتبار الظاهرة الدينية أكثر سيولة من أن تتم موقعتها في مؤسسة من المؤسسات الاجتماعية، بل يجعلها منتشرة في الحيز العام.

والاستثناء الذي اختُصت به الحالة العربية -في رأي الباحث- هو تخلي النخب العلمانية واليسارية عن فكرة احتواء التراث العربي الإسلامي واتجاهها إلى القواعد العلمية، بحيث سهَّل ذلك للإسلام الحركي سدّ الفجوة والانتشار في الثقافة الشعبية، ليؤدي ذلك إلى انفصال الأيديولوجيا عن الممارسة وانسلاخ المثقف عن الطبقات الاجتماعية، وبالتالي الانزلاق إلى النخبوية.



القرضاوي مخاطبا الثوار في خطبة الجمعة من ميدان التحرير بمصر (الجزيرة-أرشيف)

الإسلام السياسي
وينطلق الباحث في فهم ظاهرة الإسلام الحركي، من مقولة الكاتب عزمي بشارة حول اللغة العربية.

ففي الحالة العربية كما يورد عن بشارة، بقيت اللغة العربية لغة قومية لم تستحدث مثل الفرنسية من اللاتينية، كما لم تتحول اللهجات المحلية العربية إلى لغات، وبالتالي أصبحت اللغة المقدسة لغة قومية وهو ما أدى في العصر الحديث إلى بروز تيارات الإسلام الحركي، لتوحد بين الأمة والدين، ولتفكر وتتصرف بمفاهيم أمة دينية واحدة. فمادة التخيل تصلح لذلك، لالتحامها العضوي بالقرآن العربي.

وقامت الدولة التسلطية -بحسب الباحث- بتقييد المجال العام عبر قوانين الطوارئ والمؤسسات الأمنية، مما قاد نخبا مضادة إلى البحث عن مجالات أخرى تمارس عبرها السياسة وترعاها.

ونجح الإسلام الحركي في فرض حضوره والمنافسة على مجالات أخرى انفلتت من قبضة الاستبداد مثل المساجد والنوادي والجمعيات الخيرية والتشكيلات النقابية، وهذا ما ساعد النخب العربية الحاكمة -لاحقا- على رفع فزّاعة الإسلاميين أمام أعين الغرب، وتخييره بين بقائها -أي النخب- واستلام الحركات الإسلامية دفة الحكم.

ومع دخول المجتمعات العربية في الربع الأخير من القرن العشرين واختلاف سياسات الأنظمة العربية مع الإسلاميين بين التحالف الضمني والتضييق، اشتد أزر المجال العام للإسلام الحركي وأصبحت المساجد والمؤسسات الاجتماعية الأخرى وسائل إنتاج أيديولوجية، تنسج تصورا سياسيا للدولة وعلاقتها بالمجتمع وترسم صورة للشخصية الفردية للمسلم، لا تتوافق تماما مع الصور التي تنتجها وسائل تخيل أخرى في أحيان أخرى.

الشعائر الدينية حركت كثيرا من المحتجين(رويترز)

التدين الشبابي
ويرى الباحث أن تطورا جديدا حصل في العقدين الأخيرين ساهم في تغيير شكل ظاهرة التدين في المجتمعات العربية، فقد أسفر انتشار الإنترنت والفضائيات العربية بين الطبقات الشعبية، عن فقدان المفاهيم الإسلامية السياسية لعلاقتها المباشرة مع المؤسسة الأيديولوجية بشكلها التقليدي.

وقد مكّن ذلك قطاعات شبابية واسعة من النزوع إلى استخدام هذه المفاهيم دون حرج من الاشتباه في ارتباطهم بتشكيلات سياسية واجتماعية تقليدية، وبشكل أكثر فعالية من الإسلام الحركي في مرحلة سابقة.

وتبين ذلك -في رأي الباحث- من خلال اغتنام رمزية يوم الجمعة، وصلاة الجماعة في الميادين العامة، كموجه تعبوي للشعوب وللصمود في الثورية، وأنتج ذلك حالة فريدة تجمع بين أصالة الثقافة العربية الإسلامية، وحداثة القيم الحقوقية التي تنتمي بكل المقاييس إلى الفضاء الثقافي التنويري.

وما كان باستطاعة الإسلام الحركي الذي اعتمد في نسقه التربوي على علاقة هرمية مؤسساتية، أن يواكب تطور وسائل التخيل الجديدة، ليس لسبب، إلا لأن هذا التطور أسفر عن سرعة في الجدل والتفاعل، تجاوزت بطء وبيروقراطية المؤسسة الأيديولوجية، ليوسع الحيز العام الجديد من مساحة المعرفة الإسلامية السياسية، ويظهر تناقضاتها أمام الجمهور المتعلم.

وتوقع الباحث في خضم هذا التطور أن يعمل الإسلام الحركي في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة العربية على تغيير بنيته الداخلية، بما سيؤثر في نهاية المطاف على تحوله التدريجي نحو نماذج مشابهة أكثر اعتدالا وأكثر ارتباطا بفكرة "الوطن" والهوية العربية الجامعة.

وهو ما سيجنبه -بالتأكيد- خسارة جمهور عريض بانت ملامحه في العقدين الأخيرين يخطف منه شرعيته المستمدة من الثقافة الإسلامية وينتمي إلى مشاريع سياسية تبغي تحقيق منجزات الحداثة السياسية.

المصدر : الجزيرة