انتخابات المجلس التأسيسي بتونس شهدت عدة مفاجأت (الجزيرة نت)

المختار العبلاوي-تونس

شكلت نتائج قوائم العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية (مستقلة) "مفاجأة" انتخابات المجلس التأسيسي، فبعد أن تصدرت نتائج ولاية سيدي بوزيد مهد الثورة التونسية تحتل حاليا المركز الثالث بفارق قليل بعد حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وفق النتائج الجزئية المعلنة متقدمة على أحزاب عريقة.

وقد استغرب المراقبون تحقيق العريضة للنتائج المسجلة على اعتبار أن قوائمها الانتخابية لا تعدو أن تكون "مجموعات من المواطنين التفوا حول شخصية تعيش خارج تونس، هو محمد الهاشمي الحامدي مالك فضائية المستقلة التي تبث من لندن، دون أن يكون لها أي إطار فكري جامع بل هي فقط خطاب يتفاعل، بحسب وجهة نظر المحلل السياسي صلاح الدين الجورجي.

وعن كيفية ظهور هذا التيار، قال الجورجي إن "فكرة العريضة تبلورت عندما دعا البعض الحامدي للعودة إلى تونس بعد سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي"، مضيفا أنه "انطلاقا من هذه الأرضية تشكلت القائمة التي دخلت سباق المجلس التأسيسي" لتحقق نتائج غير متوقعة.

بدوره، قال المحلل السياسي عبد اللطيف بن هدية إن "هناك تحالفا سريا بين العريضة والتجمعيين (بقايا التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل الحاكم سابقا) أفرز النتائج التي حققتها العريضة المدعومة من الهاشمي الحامدي".

وأضاف أن هذه القوائم العريضة رفقة قوائم المبادرة (مستقلة)، لعبت على وتر الجهوية "التي كنا نعتقد أنها انتهت بتونس".

وأشار بن هدية إلى أن قوائم العريضة التي تقدمت بصفة مستقلة للانتخابات استعملت ماكينة انتخابية والتجأت لأساليب "غير مشروعة"، حيث "اعتمد على ذوي السوابق العدلية الذين قاموا بالدعاية للشمس (رمز القائمة) يوم الانتخاب" مؤكدا توفره على أدلة تثبت ذلك.

قوائم العريضة تقدمت في انتخابات التأسيسي على قوائم أحزاب عريقة (الجزيرة نت)
التركيبة القبلية
وعن الفئات الاجتماعية التي استهدفها الخطاب السياسي، قال إن من يقف وراء قوائم العريضة الشعبية "يعلم جيدا كيف يؤثر في الناس وتوجيههم"، لافتا بالأساس إلى استغلالها "للأميين الذين يبلغ عددهم مليون شخص، بالإضافة إلى الطبقات الفقيرة وكبار السن".

وفي تفسيره لبعض هذه النتائج، أشار الجورجي إلى أن مؤسس هذا التيار "استهدف أوساطا لها مكانتها في التركيبة القبلية، مركزا بالأساس على الحوامد مما ساعده في النجاح بشكل كبير في منطقة سيدي بوزيد".

وقد استفادت قوائم العريضة من الدعم الإعلامي الكبير الذي وفرته قناة المستقلة التي جندت كل طاقاتها للترويج الدعائي لهذا التيار، وهو ما اعتبره بن هدية "خرقا للقانون الانتخابي الذي يمنع الإشهار السياسي".

وتساءل "لماذا لم تمنع الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بث المستقلة لهذا النوع من الدعاية"، مشيرا إلى أن ذلك ساهم بصفة كبيرة في استمالة أعداد مهمة من الناخبين.



عبد السلام: العريضة حصلت على أكبر نسبة من الأصوات في الجهات المهمشة (الجزيرة)
سيدي بوزيد

وبدا ذلك جليا في دائرة سيدي بوزيد، التي انطلقت منها شرارة الثورة، حيث صرحت الهيئة الفرعية المستقلة للانتخابات بفوز قائمة العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية بثلاثة مقاعد بعد أن صوت لصالحها أكثر من 48 ألف ناخب، متفوقة لأول مرة ومتقدمة بأكثر من الضعف على حركة النهضة التي حصلت على مقعدين وصوت لصالحها حوالي 20 ألف شخص.

في السياق ذاته، قال مدير معهد الحداثة بباريس بشير قدسي عبد السلام إن "العريضة حصلت على أكبر نسبة من الأصوات في الجهات المهمشة، حيث كانت نسبة متابعة قناة المستقلة مرتفعة".

وأضاف أن القوائم التابعة لهذا التيار السياسي كانت من القوائم القليلة التي أعطت وعودا انتخابية، وإن كانت "غير منطقية" من قبيل النقل المجاني لكل المسنين، والصحة المجانية لجميع فئات المجتمع، فإن "الناس البسطاء كانوا في أمس الحاجة إليها، إذ يرون أنهم يستحقون مثل هذه الوعود بمنطق المكافأة على أساس أنهم قاموا بثورة شعبية".

الشمس رمز العريضة الشعبية (الجزيرة نت)
إنسان بسيط
أما على مستوى الخطاب السياسي، فقد رأى عبد السلام أن "الهاشمي الحامدي الذي أسس تيارا سياسيا وليس حزبا، اتبع إستراتيجية بنيت على نقد خطاب حركة النهضة دون إحداث قطيعة معها بالتوزاي مع التقرب للتيار الإسلامي العروبي" مشيرا إلى تخصيص قوائم العريضة حيزا مهما للحديث عن الهوية العربية الإسلامية في برامجها الانتخابية
.

بدوره، رأى الجورجي أن من العوامل المساعدة في فوز قوائم العريضة اعتمادها "على خطاب شعبوي، بسط القضايا السياسية والوعود الانتخابية حيث قدم الهاشمي نفسه على أنه إنسان بسيط يعيش مع البسطاء ويفهم مشاكلهم".

يشار إلى أن التونسيين أقبلوا وبكثافة غير مسبوقة على مكاتب الاقتراع يوم 23 من الشهر الجاري في انتخابات المجلس التأسيسي الأولى من نوعها منذ سقوط نظام بن علي.

وقد أعادت هذه الانتخابات التي تميزت بالنزاهة وفق مراقبين محليين ودوليين رسم الخريطة السياسية للمشهد التونسي، حيث أفرزت تقدما كبيرا لحزب النهضة وتراجعا واضحا لما يسمى القطب الحداثي.

المصدر : الجزيرة