ساحات التغيير بمصر غصت بمؤيدي الاتجاه الإسلامي في الجُمَع التي تلت نجاح الثورة (رويترز)

يرجح محللون أن تتكرر ظاهرة فوز الإسلاميين التي أفرزتها الانتخابات التونسية في دول "الربيع العربي" الأخرى، وأكدوا في الوقت نفسه أن "ممارسة السلطة ستضع الإسلام السياسي في مواجهة صعوبات عدة تحد من قوة اندفاعه الحالي".

ويقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باري سود الفرنسية خطار أبو دياب لوكالة فرانس برس إن "الإسلام السياسي يبدو ممرا إجباريا للتحولات الديمقراطية الجارية في العالم العربي..، لأن القمع والاستبداد في الأنظمة السابقة ترك الجامع في مواجهة القصر".

ويضيف أن "هذا ما أدى إلى النتيجة الحالية في تونس وسيؤدي إلى نتائج مماثلة في بلدان أخرى".

ومن المتوقع أن يكون حزب حركة النهضة الإسلامي الفائز الأكبر في انتخابات المجلس التأسيسي التي جرت الأحد في تونس، وهي الانتخابات الأولى التي تنظم بعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في ثورة دشنت ما صار يعرف بـ"الربيع العربي".

ويقول أبو دياب إن "قوى الإسلام السياسي هي أبرز القوى الموجودة على كل الساحات العربية، وهي أفضل التيارات تنظيما وتمويلا".

ويتوقع أن تتكرر التجربة التونسية مع الإخوان المسلمين في مصر، حيث ستبدأ المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وخاض الإخوان المسلمون في مصر وسوريا وحركة النهضة في تونس والإسلاميون في ليبيا على مر سنوات معركة صامتة مريرة مع أنظمة القمع والاستبداد، أكسبتهم تعاطفا واسعا بين الطبقات الشعبية، وزادت شعبيتهم نتيجة أنشطتهم الاجتماعية عبر مؤسسات خيرية فاعلة وخطاب ديني مقنع.

حركة النهضة الإسلامية حصلت على أكبر نسبة من أصوات التونسيين
ثمرة الصبر
ويرى المراقبون أنهم يحصدون بعد الثورات الشعبية ما زرعوه بصبر, وتقول الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط إنياس لوفالوا من باريس إن حركة النهضة "عرفت كيف تعيد تفعيل شبكاتها الموجودة أصلا، بينما لم يتسن للأحزاب الأخرى الوقت لوضع برامجها وتقديمها".

وتضيف "يقدم الإسلاميون أنفسهم على أنهم يتمتعون بالنزاهة والصدق، لأنهم لم يتسلموا بعد الحكم، فيما عبر قسم من التونسيين عن رغبتهم في اختبار هذا الحل" المتمثل في الإسلام, وتشير إلى أن "كون الإسلاميين ضحية" النظام السابق "يمنحهم نوعا من الشرعية".

ويحذر الخبراء من مغبة رفض نتائج الانتخابات كما حصل في الجزائر عام 1991 عندما ألغت السلطات نتائج انتخابات أوصلت جبهة الإنقاذ الإسلامية بأغلبية كبيرة إلى البرلمان، مما فجر نزاعا دمويا استمر سنوات.

ويقول أبو دياب إن "من أبرز أخطاء الماضي منع التجربة الجزائرية من أن تكتمل في بداية التسعينيات وعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات في غزة, ليجرب الإسلاميون الحكم..، يجب احترام حكم الصناديق مهما كان، وإلا فلن تكون هناك تجارب ديمقراطية في هذه البقعة من العالم".

ويثير تقدم الإسلاميين قلقا في الغرب من حصول سيناريو على الطريقة الإيرانية يعمم نموذج "الدولة الإسلامية" أو "الخلافة الإسلامية".

وفي تونس، هناك تخوف من بعض الأوساط من إعادة النظر مثلا في وضع المرأة التي تتمتع بـ"حقوق تحسدها عليها النساء في الدول العربية الأخرى"، مثل المساواة الكاملة مع الرجل ومنع تعدد الزوجات وحق المرأة في طلب الطلاق، وغيرها.

أبو دياب:
هذه مرحلة انتقالية جديدة في انتظار استكمال القوى الأخرى برامجها ونهجها، وفي انتظار أن يقتنع الناس بأن قدرة هذه الجماعات الإسلامية على إنتاج حلول سحرية وهم كبير
"
"وهم كبير"
وفي ليبيا أثارت تصريحات رئيس المجلس الوطني مصطفى عبد الجليل بشأن اعتماد الشريعة الإسلامية في ليبيا الجديدة الكثير من القلق والتساؤلات.

ويرى خبراء أن الأحزاب الإسلامية ستصطدم بعراقيل عدة خلال ممارسة السلطة، إذ سيكون عليها أن تقدم تنازلات وأن تعقد تحالفات من أجل تأليف الحكومات، في ظل عدم وجود مؤشرات تدل على إمكان فوزها بالأكثرية المطلقة في أي برلمان.

ويقول أبو دياب إن "هذه مرحلة انتقالية جديدة في انتظار استكمال القوى الأخرى برامجها ونهجها، وفي انتظار أن يقتنع الناس بأن قدرة هذه الجماعات على إنتاج حلول سحرية وهم كبير".

ويرى الباحث في مركز شاتهام للدراسات في لندن نديم شحادة أن "الإسلاميين كانوا يستمدون شرعيتهم من قبل من نضالهم ضد مبارك وبن علي. واليوم عليهم أن يجدوا لأنفسهم مبررات وجود جديدة".

ويؤكد شحادة أن المواطنين العرب الذين تحرروا من الخوف وذاقوا طعم الحرية لن يقبلوا بانتزاع هذه الحرية منهم مرة أخرى, ويقول "لقد انتهى عصر القائد الواحد والحزب الواحد".

وترى لوفالوا بدورها أن "على الحركات الإسلامية أن تكون حذرة، وأن تجد لنفسها حماية من أي انحراف يقود إلى التطرف الكامل".

وتؤكد في الوقت نفسه أن عنصر الشباب -الذي كان له الدور الأكثر فاعلية في تفجير الربيع العربي- "لن يقبل برؤية مجتمعاته تصل إلى الانغلاق التام".

وتقول إن على تيارات الشباب والعلمانيين "أن تتصرف بشكل لا يجعل الإسلاميين يطمئنون إلى قدرتهم على إحداث انقلاب كامل في قواعد اللعبة داخل المجتمع".

المصدر : الفرنسية