الإقبال الكثيف على الأسواق الخيرية يعكس روح التكافل والتضامن لدى الليبيين (الجزيرة نت)

المحفوظ الكرطيط-طرابلس

إذا ما استثنيت الانتشار الواسع للمسلحين في مختلف شوارع العاصمة الليبية طرابلس، فإنك لن تلحظ سوى حياة شبة عادية في المدينة.

فرغم التراجع النسبي علي صعيد الخدمات العامة والارتباك المروري الملحوظ، فإن الوضع شبه مستقر في الأوساط المختلفة، وهو ما يحاول الليبيون تجاوزه عبر سلوكهم التكافلي الملحوظ، ورغم تأصل هذا السلوك فى الشعب الليبي فإنه ازداد توقدا في ظل مرحلة التحول التي تعيشها المدينة.

وفي السياق ذاته قال وكيل مجلس طرابلس المحلي حسام باش إمام للجزيرة نت إن المستوى العام للخدمات في العاصمة يتأرجح بين المتوسط ودونه بسبب الأجواء الاستثنائية في ظل تداعيات الثورة، مشددا على أن المدينة تشهد شبه معجزة بفضل "الممارسات الفريدة لسكانها".

وأضاف باش إمام أن السكان استطاعوا بفضل روح التكافل التغلب على عدة مشاكل على رأسها انقطاع المياه، إذ لم يتظاهر الناس احتجاجا على ذلك بل هبوا لمساعدة بعضهم البعض عبر توزيع ما لديهم من مياه في الصهاريج الخاصة، ومياه الآبار التي حفرها كثير من السكان في بيوتهم وخاصة في الضواحي لمواجهة مشكلة انقطاع المياه.

حسام باش إمام: المستوى العام للخدمات
في العاصمة متأرجح (الجزيرة نت)
مشاكل حياتية
ا
لمراقب للحياة العامة في طرابلس منذ سقوطها في يد الثوار يوم 21 أغسطس/آب الماضي، يعلم أن العاصمة ظلت لأيام دون مياه جارية بسبب القصف الذي طال محطة توليد الكهرباء في حقول آبار النهر الصناعي العظيم جنوب البلاد، وهي المصدر الأهم للمياه الموجهة إلى طرابلس ومناطق أخرى.

كما تعاني العاصمة من مشكلات مزمنة في البنية التحتية وخاصة شبكة الصرف الصحي التي تعود إلى حقبة الاستعمار الإيطالي، وهو ما عزاه بعض المسؤولين إلى أن نظام معمر القذافي المنهار كان يعطي الأولوية للبعد الأمني على حساب الجوانب الأخرى التي تهم الحياة اليومية للمواطنين.

ويرجع مراقبون تردي بعض الخدمات التي تقدمها بلدية طرابلس إلى موالاة بعض الموظفين للنظام السابق، وهو ما تسبب في مشاكل مالية وتعطل عدد من الخدمات مثل المراقبة الصحية، ومنح تراخيص البناء، وانحصار مهام الحرس البلدي الذي بات يقوم على استحياء بدوره في مراقبة مخالفات البناء والتعدي على الفضاء العام، وذلك بالإضافة إلى تأثر الخدمات برحيل العمالة الأجنبية التي كانت تقوم بعدة مهام وعلى رأسها النظافة وجمع القمامة.

علي صعيد المرور، الأزمة التي كانت موجودة في السابق، زادت حدتها مع التوافد المستمر لليبيين على العاصمة في ظل انهيار المركزية التي كانت سائدة في العهد السابق، وساهم في تفاقم الأزمة عدم ممارسة شرطة المرور لاختصاصاتها بشكل واضح.

مستوى الخدمات في العاصمة تأثر كثيرا برحيل العمالة الأجنبية خلال الثورة (الجزيرة نت)
حلول بديلة
التكافل والتضامن الاجتماعي شعار رفعه أبناء طرابلس لحل المشاكل العديدة التي تحاصرهم، وقد تمثل ذلك في إنشائهم مئات المنظمات الأهلية خلال الشهرين الماضيين، بالإضافة إلى كثرة التبرعات والمبادرات الخاصة لتقديم المساعدة في مختلف مناحي الحياة.

ولعل من هذه المظاهر في طرابلس كثرة البازارات، وهي أسواق خيرية تحظى بإقبال جماهيري كبير، إذ تعرض مبيعات مختلفة من ملابس، وإكسسورات يدوية وغيرها، ويعود ثمنها لصالح جرحى الثورة وعائلاتهم ولباقي العائلات التي تضررت بشكل أو بآخر من نظام العقيد القذافي.

صورة أكثر إشراقا تجدها في مركز طرابلس الطبي، حيث هب كثير من المتطوعين الأطباء وطلبة الطب والمدرسات وحتى الأشخاص العاديين لدعم الخدمات الطبية وتوفير الأمن والنظافة في المركز، حيث بات يشتغل بنحو 80% من مستواه السابق الذي تأثر بأجواء الثورة ورحيل الموظفين الأجانب والانقسام في صفوف الموظفين بين مؤيد ومعارض للتغيير.

التكافل والتضامن الاجتماعي شعار رفعة أبناء طرابلس لحل المشاكل العديدة التي تحاصرهم، من خلال مئات المنظمات الأهلية، وكثرة التبرعات والمبادرات الخاصة لتقديم المساعدة

انتظار المستقبل
وفي انتظار عودة الحياة إلى مجراها الطبيعي، يتوق أهل طرابلس إلى المرحلة الجديدة التي تدخلها البلاد، وتساورهم الأحلام بأن عائدات النفط ستتحول إلى ازدهار ورخاء ملموسين، على غرار البلدان العربية النفطية الأخرى، بعدما كانت ثروة البلاد في الحقبة الماضية تستغل -حسب البعض- بشكل فردي ومزاجي بعيدا عن أي سياسة تخطيطية أو رؤية إستراتيجية.

يساندهم في ذلك أن عاصمتهم لم تدمر نهائيا كما فعل القذافي بمدينتي سرت ومصراتة اللتين تحولتا إلى خراب، جراء القتال العنيف بين الثوار وكتائب القذافي.

المصدر : الجزيرة