دودين يجد عزاءه في العمليات البطولية التي نفذها ضد إسرائيل

سيد أحمد الخضر-الدوحة

في اللحظة التي تمكنت فيها الفصائل الفلسطينية من أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، كان مِداد القدر يكتب أملا جديدا للأسير المحرر موسى دودين أحد مؤسسي كتائب عز الدين القسام في مدينة الخليل، والمحكوم عليه بالسجن مدى الحياة.

دودين الذي ترجل نحو السجن في ربيعه العشرين، خرج إلى النور ضمن صفقة التبادل بعد أن بلغ أربعين سنة، ليعاقَب من جديد بالإبعاد عن وطن حمل همومه ولمّا يبلغ الحلم، فلم يتح له أن يمكث ولو بضع يوم في فلسطين.

يقدم دودين شهادة حية عن الواقع السيئ في سجون الاحتلال، حيث تمارس الشرطة الإسرائيلية صنوفا من الانتهاكات والقهر والإذلال على الأسرى الفلسطينيين لم يدونها أرشيف التاريخ ولم تخطر على قلب بشر.

ويكفي أن الرجل أمضى سبع سنوات في زنزانة انفرادية حتى لا يشكو بثه وحزنه لأي من الذين يقاسمونه هم تحرير فلسطين ويشاطرونه مرارة المعاناة في سجون إسرائيل.

قتل وانتقام
يروي دودين -الذي قال إن القدر كان حفيا به عندما أُبعد إلى قطر- أن إسرائيل عملت على قتله في كل يوم مرة أو مرتين، وظلت تنتقم منه حتى اللحظة التي فرضت فيها المقاومة منطقها وأخرجته عزيزا إلى النور.

في سنوات السجن العجاف تعرض دودين لأقسى أنواع العقاب المادي والمعنوي، حيث يتلذذ السجانون بركل وصفع الأسرى وإهانتهم ببذيء القول وتدنيس المقدسات أمام أعينهم في وضح النهار.

دودين: سجون الاحتلال ساحة لا تعرف معنى للإنسانية، وتفوق يومياتها الفظائع التي ارتكبها الأميركيون في أبو غريب دون أن يتسرب منها إلى العالم الحر سوى ما تريده إسرائيل
ومن واقع تجربته الغنية بالأتراح، يؤكد دودين أن سجون الاحتلال ساحة لا تعرف معنى للإنسانية، وتفوق يومياتها الفظائع التي ارتكبها الأميركيون في أبو غريب "دون أن يتسرب منها إلى العالم الحر سوى ما تريده إسرائيل".

ورغم أن ممارسات المحتل ضده سواسية في السوء، فإن أكثر ما أثر على دودين هو حرمانه لمدة ست سنوات من رؤية أمه التي قال إنها علّمته رباطة الجأش ورفض الذل والهوان، فكان يجسد حلمها فيه وهو خلف القضبان.

ضريبة الحرية
لكنّ عشرين حولا من السجن توجّها الاحتلال بالإبعاد لم تستطع النيل من عزيمة المناضل الخليلي، ولا تعني في نظره سوى ضريبة بسيطة من أجل الحرية التي دفع ثمنها العديد من "نجوم فلسطين مثل محمود عيسى وجمال أبو الهيجاء وإبراهيم حامد وعبد الله البرغوثي وهم أولى مني بالتحرير".

وبلهجة صمود تتحدى السجانين يقول دودين إن إسرائيل وإن أخرجته من فلسطين المباركة، فإنها فشلت في أن تنفي فلسطين من داخله حيث تتقد مشاعر التضحية في كيانه وترفرف في وجدانه أعلام القسام.

ويجد المناضل عزاءه الكبير في أنه لم يقض هذا العمر المديد في السجن بمحض الصدفة أو بسبب تلفيق تهمة ضده، إنما نتيجة عمليات بطولية نفذها أثخنت جرحا وقتلا في صفوف جنود إسرائيل.
 
وطيلة تلك الحقبة الموغلة في القبح، لم يستسلم دودين لأن قدره البقاء في الظلمات، ولم تكن زنزانته ضيقة إلا من الناحية الفيزيائية فقط، حيث ظل الأفق متسعا أمامه وأحيا الأمل بدواخله بالمواظبة على الصلوات وترتيل آي الذكر الحكيم.

تحدي المحتل
ومع أن الأنباء التي تتسرب من سجون إسرائيل تصطك المسامع لهولها، فإن الفتى الخليلي زف إلى أهله أكثر من خبر سار فقد حصل على البكالوريوس ثم الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة واشنطن وهو مكبل بالأغلال.

ويدين دودين كثيرا لوالده -الذي يأمل أن يلتحق به في الدوحة- حيث أصر على أن ينتسب من داخل السجن لأعرق الجامعات العالمية، وبذل جهودا استثنائية في مده بالمراجع والبحوث، و"كان يرى أن إكمال تعليمي أكبر تحد يمكن أن أواجه به المحتل".

وحتى لا ينشغل الناس بنجاح الساسة في صفقة تبادل الأسرى، ينبه دودين إلى أن الفضل في ولادته من جديد يعود لأولئك الذين سطروا بدمائهم أعظم قصة في ميادين التضحية، حيث تعمدوا التعرض للرصاص حتى لا يصاب شاليط، بهدف الإبقاء عليه حيا ومقايضته بأسرى النضال.

من جهة أخرى، يرى المناضل -الذي طالب الحكومات العربية ببذل جهود مضاعفة للإفراج عن الأسرى- أن الربيع العربي سيعيد لفلسطين ألقها في وجدان الأمة، ويعني أن "إسرائيل زائلة بسرعة جسم يسقط من السماء".

المصدر : الجزيرة