مساكن صفيح في حي فرناج بالعاصمة الليبية

قدري عوض-طرابلس

لا تكاد تصدق ما تبصره عيناك من مشاهد بؤس وفقر مدقع في بلد غني بالنفط، فآخر ما تتوقعه أن تجد ليبيين يعيشون منذ عشرين عاما في مساكن سقفها من صفيح أكل الصدأ أغلب أجزائه، بينما كان "ملك ملوك أفريقيا" يهدر ملايين الدولارات على دول وأشخاص كأنه يغرف من معين لا ينضب.

فإلى جوار مساكن حديثة خاصة بالمركز الطبي في حي فرناج بالعاصمة طرابلس، تنحشر 24 أسرة -يصل عدد أفراد بعضها إلى عشرة- في بيوت ضيقة قذرة لا تصلح للحيوانات، فضلا عن البشر؟

تجولت الجزيرة نت بين المساكن حيث المياه الراكدة والقمامة المتناثرة وتحدثت مع بعضهم، في حين رفض آخرون خجلا من حالة البؤس والفقر الذي ضرب أطنابه فيهم.

وبعد مفاوضات مع إحدى الساكنات من خلف الباب، قبلت على مضض بدخول الجزيرة نت لإجراء حوار مع شقيقها أحمد موسى (21 عاما) الذي ورث عبئا ثقيلا عن والده بعد وفاته إثر إصابته بفشل الكلى.

فقد حرم موسى نفسه من المدرسة في المرحلة الإعدادية، وخرج للعمل لأن راتب الضمان الخاص بوالده الذي يصل إلى 300 دينار ليبي (250 دولارا) لا يفي بالتزامات العائلة المكونة من ستة أفراد، بعد خصم الإيجار البالغ مائة دينار.

وتحدث موسى بحرقة وتعفف عن ضيق السكن المتهالك الذي لا يقيهم الأمطار ولا يوفر الخصوصية، ولكنه شعر بالغصة عندما أومأ إلى المرحاض، لا سيما أن بابه لا يستر إلا اليسير.

إحدى الأسر الفقيرة تسكن في غرفة كانت مخصصة لبيع السجائر
أسرة عبد الله
وفي منزل آخر يرقد رب الأسرة عبد الله (50 عاما) على سرير وقد شلت أطرافه وفقد ذاكرته منذ عام لإصابته بجرثومة في الدماغ، فوقع كاهل الأسرة المكونة من سبعة أفراد على الابن الأكبر (25 عاما).

وبعد أن رفضت الأسرة جميعها التصوير أو حتى ذكر الأسماء، تجرأت الفتاة الكبرى للحديث مع الجزيرة نت وقالت إن الـ450 دينارا التي يتقاضاها شقيقها لا تكفي لعلاج والدها لأن المستشفيات الحكومية لا توفر بعض الأدوية، فتضطر لشرائها من الصيدليات الخاصة بكلفة باهظة.

ولا تختلف المشكلات التي تواجهها هذه الأسر، فالبيوت ضيقة جدا وغير صحية، ومياه الأمطار تفيض عليهم من الأعلى والأسفل.

وعندما كانت العائلات تتقدم للحصول على مساكن جديدة -والكلام هنا لابنة عبد الله- كان الرد يأتي بإعادة ملء النماذج المخصصة، بحجة أن النماذج السابقة كانت غير مكتملة.

وكان عزاؤها أن العلاقة بين هذه الأسر هي "علاقة عائلية" حيث يقف الجميع مع بعضهم بعضا عند الحاجة.

وانفرجت أساريرها عند الحديث عن الثورة والتحرير، وأعربت عن أملها بأن تحصل هذه الأسر على ما تنشد، وتساءلت: هل يعقل أن يكون هناك أناس في عام 2011 يقطنون في مساكن كهذه؟!

ولم يكن عسيرا البحث عن آخرين مثلهم يعانون قسوة السكن والفقر، فقد عثرت الجزيرة نت على عائلة ربيعة سالم الدامي (28 عاما) التي تقيم مع زوجها وثلاثة أطفال في غرفة كانت مخصصة لبيع السجائر في حي نشيع بمنطقة تاجورا، التي تبعد عن العاصمة طرابلس 30 كلم.

تقول ربيعة إنها لم تدفع الإيجار البالغ 150 دينارا منذ فبراير/شباط الماضي، لأنها لا تقدر على ذلك، لا سيما أن زوجها يعمل على سيارة أجرة بنظام الضمان، إضافة إلى أن ابنتها مريضة بالقلب.

وقالت إن مياه الأمطار تتسرب إليهم من السقف المصنوع من الصفيح، وأضافت أنها توجهت للجهات الرسمية ولجمعية "معتصمو الخيرية" التابعة لعائشة بنت العقيد معمر القذافي، ولكن دون جدوى، وبقي حلمها "الحصول على منزل".

 البدري أكد عدم علمه بالأسر التي تسكن
بيوت الصفيح، ووعد بمتابعة حالاتها
الجمعيات الخيرية
وتشهد ليبيا في المرحة الراهنة زخما كبيرا في الجمعيات الخيرية وإقبال المتطوعين، حيث تلقى مجلس طرابلس المحلي طلبات لعشرات الجمعيات في الفترة القصيرة الماضية، كما قال مسؤول ملف التخطيط والتنمية في المجلس سادات عبد الرزاق البدري.

ولدى سؤاله عن تلك الأسر التي تقطن بيوت الصفيح قال إنه لا يعلم شيئا عنها، عازيا ذلك إلى التغطيات الإعلامية، ولكنه وعد بمتابعة حالاتها، وقال إن الأولوية الآن تنصب على النازحين في الداخل الذين شردوا بسبب القصف وتوفير مستلزماتهم، مشيرا إلى أنه تم تخصيص أموال لهذه الأغراض.

والجمعية الوحيدة الرسمية في عهد القذافي كانت جمعية "واعتصموا الخيرية" التابعة لابنته عائشة، وهي الجمعية التي يجمع الليبيون على أن "غاياتها وأهدافها كانت مشبوهة"، أما الجمعيات الخاصة فكانت بشكل محدود ولغايات محدودة مثل تحفيظ القرآن "للتغطية على أن القذافي يشجع التدين"، كما يقول البعض.

المصدر : الجزيرة