أعمال الهدم والتجريف تجري في باب العزيزية وسط أجواء مفعمة بالفرح (الجزيرة نت)

المحفوظ الكرطيط-طرابلس

يشهد باب العزيزية في العاصمة الليبية حركة غير عادية، حيث تجري أعمال هدم وتجريف شملت في البداية الأسوار الخارجية للمكان الذي ظل على مدى عقود طويلة محاطا بهالة كبيرة من الغموض تعكس -إلى حد كبير- حالة "اللانظام" التي كانت تسود البلاد.

فمنذ ثلاثة أيام بدأت الجرافات بهدم باب العزيزية الذي كان مقرا للعقيد معمر القذافي ورمزا لفترة حكمه الطويلة قبل أن يقتحمه الثوار يوم 23 أغسطس/آب الماضي، في يوم مفصلي من الثورة التي تواصل كتابة فصولها النهائية في مدينة سرت، مسقط رأس القذافي وآخر قلاع أنصاره.

وقد تحول ما كان يعرف باسم" بيت الصمود" إلى حطام وأطلال متهالكة، وبات من الصعب التعرف على معالمه ورمزيته المتمثلة بشكل خاص في تمثال اليد وآثار الدمار الذي لحق بالمبنى جراء القصف الأميركي عام 1986. ويتوقع أن يتم في الأيام المقبلة تدميره بالكامل بالمتفجرات ليصبح أثرا بعد عين.

وبينما كانت أعمال الهدم جارية في محيط البيت، تواصلت زيارة الناس لباب العزيزية الذي كان مجرد المرور بقربه في الماضي يثير شعورا بالخوف والرعب. وأمام أطلال البيت كانت أجواء احتفالية تسود المكان، حيث كانت تنبعث من داخل السيارات مقاطع غنائية ثورية وشعارات ظلت تردد منذ اندلاع الثورة يوم 17 فبراير/شباط الماضي، إضافة إلى طلقات رصاص في الهواء.

بيت الصمود داخل باب العزيزية
يتحول إلى أطلال (الجزيرة نت)
احتفالية وسخرية
ولم يخف كثير من الزائرين مشاعر البهجة التي تخامرهم وهم يرون بأم العين رمزية نظام القذافي تتحطم أمامهم بشكل ملموس، لبنة تلو الأخرى. ولم يفت العديد من الزوار التعليق على مشهد بيت الصمود الذي تحول إلى حطام، وتراوحت تعليقاتهم بين السخرية من نظام القذافي والتحسر على ما ضاع من فرص أمام البلاد بسبب انصراف القذافي إلى بناء مجده الوهمي على حساب التنمية الحقيقية.

الثائر علي عيسى وهو من كتيبة 17 فبراير ولا يزال يحمل البندقية بعد عدة أشهر من القتال، لم يخفِ شعورا بالارتياح وهو يرى أثر القذافي ينمحي أمام عينيه.

وأثناء حديثه للجزيرة نت لم يستفض عيسى في الكلام، حيث بدا أن الموقف بالنسبة له يسمو عن أي تعليق، فاكتفى بالقول "أي شيء يحمل أثر القذافي لا نريده.. وبعد ثمانية أشهر من القتال و42 عاما من الظلم، ها نحن نشعر بالحرية".

وبينما بدا الكلام منحبسا لدى الثائر عيسى، كان التعليق انسيابيا لدى فاتح عريبي، أحد المتطوعين الذين يقومون بأعمال الهدم، حيث عبر عن سعادته الكبيرة وقال "نعيش الحرية.. كان (القذافي) يزيل مساكن الناس ويشردهم بدون مبررات، ونحن بدورنا نريد أن نزيل ما تركه وكل شيء يحمل أثره أو اسمه".

وبنفس النبرة، تكلم الشاب يوسف عريبي الذي توقف عن الهدم ونزل من الجرافة التي كان يقودها، للحديث إلى الجزيرة نت وقال بدوره "فرحان مية مية"، وبدت فرحته ممزوجة بالدهشة إذ قال إن هذه هي المرة الأولى التي يدخل إلى باب العزيزية منذ أن تحول إلى شبه مزار سياحي إثر سقوطه بيد الثوار.

علي عيسى قاتل كتائب القذافي ولا يزال يحمل سلاحه ضمن مهمة أمنية بطرابلس (الجزيرة نت)

إرادة الشعب
وقال بعض الثوار المنتشرين بأسلحتهم في نقاط متفرقة من باب العزيزية، إنه ليس هناك قرار سياسي أو حكومي بشأن هدم باب العزيزية، وإن الأمر انعكاس لإرادة الشعب الليبي الذي يريد أن يتخلص من كل ما يمكن أن يذكرهم بحقبة القذافي.

ويمثل هدم باب العزيزية خطوة جديدة في مسلسل طمس معالم حكم  القذافي، حيث بدأت ثورة 17 فبراير بالتخلص من العلم الأخضر والعودة إلى علم الاستقلال، وأردفت ذلك بإلغاء النشيد الوطني الذي فرضه القذافي.

ويتطلع الليبيون إلى ما سيحل محل باب العزيزية، حيث تتباين التكهنات في الموضوع، ويقول البعض إن مساحة المكان التي تقدر بنحو ستة كيلومترات مربعة ستستغل لإقامة فضاء لألعاب الأطفال أو منتزه كبير ليكون متنفسا لسكان طرابلس وزوارها.

وفي انتظار بلورة قرار متفق عليه بشأن ما بعد باب العزيزية، يتوقع أن يشهد ذلك المكان إقامة سوق لبيع أضاحي عيد الأضحى الذي سيحل في غضون أسابيع، ليكون أول مناسبة دينية من نوعها يحتفي بها الليبيون دون القذافي ومن يدور في فلكه.

المصدر : الجزيرة