سرت.. معركة تخفي معاناة
آخر تحديث: 2011/10/18 الساعة 17:27 (مكة المكرمة) الموافق 1432/11/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/10/18 الساعة 17:27 (مكة المكرمة) الموافق 1432/11/22 هـ

سرت.. معركة تخفي معاناة

الثوار متهمون بتدمير المنازل ونهبها أثناء دهمها (الجزيرة)

أحمد السباعي

في خضم معركة تحرير ليبيا التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من نهايتها، بدأ غبارها بالانقشاع والكشف عن "التجاوزات" التي ارتكبها طرفا النزاع في حق المدنيين، الذين دائما ما يشكلون وقود المعارك وضحاياها الرئيسيين، كي لا نقول الوحيدين.

فالانتهاكات التي ارتكبتها كتائب العقيد معمر القذافي وتحدثت عنها منظمات حقوق الإنسان، من دك المدن المأهولة بالمدفعية والصواريخ إلى الإعدامات والاغتصابات الجماعية، فضلا عن "التعذيب الممنهج" حتى الموت لبعض معارضي نظام "الزعيم وقائد الثورة"، يبدو أن ملامح منها بدأت بالظهور عند الثوار الذين وعدوا بنقل البلاد من الحكم الدكتاتوري إلى النظام العادل الديمقراطي التعددي.

فقد دعت منظمة العفو الدولية (أمنستي) السلطات الجديدة في ليبيا إلى وضع حد للاعتقال التعسفي والانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق المعتقلين، وحثت المنظمة الحقوقية تلك السلطات على عدم اعتقال الأشخاص من دون أمر من النيابة العامة، وعلى إخضاع مراكز الاعتقال لإشراف وزارة العدل.

كما كشفت المنظمة -تحت عنوان "انتهاكات حقوق المعتقلين إساءة إلى ليبيا الجديدة"- عن نمط من الاعتداءات بالضرب وسوء المعاملة للأسرى من كتائب القذافي بغرض انتزاع الاعترافات أو معاقبة المعتقلين.

وفي هذا السياق، اتهم بعض السكان الذين عادوا لمدينة سرت الثوار "بتدمير ونهب" المنازل والمتاجر والمباني العامة -في المدينة التي تعد مسقط رأس القذافي– للانتقام منهم لدعمهم "الزعيم الهارب".

وتقول إحدى السيدات -وهي من سرت- إن الثوار يكرهوننا ويحقدون علينا لأن القذافي من مدينتنا، وأضافت أن الثوار "دخلوا المدينة للثأر والتدمير، نحن لم نقاومهم فلماذا يدمرون منازلنا؟"، مؤكدة أن الوضع لن يعود كما كان لأن المدينة باتت تفتقر إلى الأمن والآمان.

ويشير سكان آخرون -وهم يتفقدون أبواب منازلهم التي خلعت والأثاث الذي كسر ورمي في الخارج- إلى أن النهب الذي تتعرض له المدينة جعل السكان "يكرهون الثورة والثوار"، فيما يرى آخرون أن الثوار يصفّون حساباتهم مع المدينة التي عاشت في وضع مريح نسبيا في عهد القذافي.

فيما يذهب أحد السكان إلى حد التهديد بحمل السلاح ومقاتلة الثوار للدفاع عن منزله، متسائلا "هل جاء الثوار إلى المدينة لتحريرها أو لنهبها؟، لو كنت أعرف أن هذا سيحصل لما كنت غادرت منزلي، بل بقيت للدفاع عنه".

وهؤلاء السكان -الذين فروا من جحيم المعارك وعادوا إلى المدينة بعدما سيطر الثوار على أجزاء كبيرة منها وأصبحت كتائب القذافي تقاوم في منطقة محدودة- عادوا إلى المدينة ليجدوا جميع المنازل والمباني تقريبا، إما دمرت بصاروخ أو بقذيفة مورتر أو أحرقت، كما شاهدوا السيول المائية تسرح في شوارع المدينة بعدما أصبحت البنى التحتية في حالة مزرية.



السكان يقولون إن جميع منازل ومباني سرت تقريبا إما دمرت أو أحرقت أو نهبت (رويترز)

نريد القذافي
إزاء كل ما تقدم، يبدو الشعور بالغضب والمرارة واضحا في المدينة، وقال أحد سكانها "إن هذه الدولة قامت على رجل واحدة، وإذا انتهت فليبيا ستنتهي"، وأضاف أن "القذافي مثل إطار الصورة، حين يتضرر جزء من الإطار تدمر الصورة بالكامل، ليبيا ستدمر".

فيما يشرح ساكن آخر -نهب منزله ودمرت أجزاء منه- وجهة نظره بقوله إن "الثوار يريدون الانتقام من سرت، وعندما يقوم أحدهم بالاستيلاء على سيارتك وتدمير منزلك، فهل هكذا يكون التحرير؟"، مضيفا أن بعض المقاتلين يهددون السكان بقولهم إن "الآتي أعظم، ولم تروا شيئا بعد".

وتقع سرت -وهي أحد معاقل القذافي الأخيرة منذ سقوط طرابلس في 23 أغسطس/أب- على الطريق السريع الساحلي الرئيسي بين العاصمة وبنغازي في شرق ليبيا.

ويخشى الكثير من السكان من أن تنتقم قوات المجلس من سرت لصلاتها بالقذافي الذي حولها من قرية تعيش على الصيد إلى مدينة يسكنها 100 ألف نسمة تستضيف أحداثا تنظمها الدولة.

وتنبع هذه الخشية من أن بعض المقاتلين الذين يحاولون السيطرة على سرت من مدينة مصراتة، وهي مدينة عاثت فيها قوات القذافي قتلا واغتصابا وتدميرا ونهبا، وتسود فيها مشاعر البغض للزعيم المخلوع.

وقال علي -وهو مقيم آخر فر من سرت- "المعارضون من مصراتة يقولون إنهم سيدمرون سرت لأن مصراتة دمرت". وأضاف أن "حلف الأطلسي جلب الدمار والثورة جلبت الدمار أيضا".

هذا الوضع دفع ببعض السكان إلى المطالبة بعودة القذافي فيما تجمع آخرون وأطلقوا صيحات ضد حكام ليبيا الجديد.

الثوار يقولون إن هناك مسلحين مندسين يقومون بأعمال السلب والنهب (رويترز)
مسلحون مندسون
وفي غياب موقف رسمي من قيادة الثوار،، ينفي ثوار في المدينة هذه الاتهامات ويؤكدون أنهم يدخلون البيوت بحثا عن الأسلحة التي تستخدمها كتائب القذافي،
ويضيفون أنهم يعاملون السكان الفارين جيدا ويعطونهم الطعام والماء ولا يعتقلون إلا من يشتبهون أنهم من كتائب القذافي.

لكن مراسل رويترز رأى مسلحين يجوبون سرت بشاحنات محملة بالكراسي والإطارات والكمبيوترات، فضلا عن قيادتهم لسيارات جديدة وسحبها خارج المدينة، وفي حادث منفصل ذكر مراسل رويترز أن الثوار أطلقوا النار بكثافة لمدة 15 دقيقة على محل للإلكترونيات لفتحه لكنهم وجدوه فارغا.

ولم ينف وليد مفتاح أحد قادة الثوار الميدانيين أو يؤكد هذه الحوادث لكنه أشار إلى وجود جماعات مسلحة تسللت بين الثوار وهي من تقوم بنهب المباني وسرقة المواطنين.

ولم يوضح القائد الميداني من هم هؤلاء لكنه أكد أن عددهم يبلغ أكثر من مائتين، ويحملون بطاقات المجلس الوطني الانتقالي ويقومون بزرع نقاط تفتيش وهمية لسرقة السيارات.

ويلخص أحد سكان سرت المستقبل الضبابي لليبيا بعد أن تضع الحرب أوزارها في هذا البلد، بقوله "سكان سرت من البدو، والبدو لا ينسون ثأرهم وسيطالبون به عاجلا أم آجلا، لن ننسى ما حصل، لن نسامح ولن نسمح لأي شخص من بنغازي أو مصراتة بدخول سرت مجددا".

المصدر : الجزيرة + وكالات