الحجوج: كان قدرنا المقايضة بنا للإفراج عن المقرحي (الجزيرة نت)

حاوره في أمستردام/ نصر الدين الدجبي

كشف الطبيب الفلسطيني الذي أطلق سراحه مع ممرضات بلغاريات سنة 2007 في قضية نشر مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في أحد مستشفيات الأطفال في بنغازي في ليبيا عن حيثيات التهم التي وجهت له "باطلا" والمآسي التي مر بها في سجون العقيد الليبي معمر القذافي وخفايا الصفقة التي أخرجته من ليبيا.

وفيما يلي نص الحوار.

هل يمكن أن نتعرف عليكم؟ 

بداية أنا أشرف الحجوج فلسطيني الأصل وأحمل الجنسية البلغارية، ولدت بالإسكندرية عام 1969 ثم انتقلت إلى ليبيا رفقة والدي عام 1972 حيث واصلت دراستي إلى التعليم الجامعي.

كنت طالبا بجامعة العرب الطبية في بنغازي بمرحلة الامتياز، وعملت طبيبا متدربا وتنقلت بين مستشفيات بنغازي بجميع تخصصاتها، وكنت في انتظار التخرج في بحر شهرين بفارغ الصبر لأحقق حلمي وحلم عائلتي بأن أُصبح طبيبا.

فجأة تم توقيفي يوم 13 ديسمبر/كانون الأول 1998 كباقي العاملين الطبيين لسؤالي عن أسباب تفشي مرض الإيدز بالمستشفى، ليطلق سراحي بعدها بثلاثة أيام.

وفي ليلة 29 يناير/كانون الثاني 1999 تم اختطافي من أمام مبيت الطلبة بالصابري وهو مكان إقامتي، ولمدة عشرة أشهر كاملة انقطعت فيها عن العالم الخارجي حيث تم نقلي إلى طرابلس مكتوف اليدين والقدمين ومعصوب العينين في صندوق السيارة الخلفي وذلك لمسافة ألف كلم.

وهناك بمقر البحث الجنائي بطرابلس انتهكت كافة حقوقي القانونية والآدمية، ومن هناك بدأت قصة العذاب والألم والمعاناة وذلك باتهامي مرة بالتعامل مع الموساد الإسرائيلي والسي آي أي لقلب نظام الحكم في ليبيا، ومرة بحقن الأطفال لإشاعة الفوضى في البلاد ومرة بإجراء تجارب على الأطفال وهكذا بين ليلة وضحاها أصبحتُ متهما بقضية العصر.

شيء واحد واثق منه أنه لا علاقة لي بما حدث وأن ما روج في وسائل الإعلام عن وجود الإيدز فقط بالمصابين ليس إلا جزءا من الحقيقة المرة لأن ما تتحدث عنه التقارير العلمية والطبية بملف القضية هو أن هناك تفشي عدوى لثلاثة فيروسات

 

وما قصة انتشار الإيدز بين الأطفال الليبيين في المستشفى بحسب رأيك؟

أنا مثل أي طبيب متدرب ليس لدي أي تفاصيل ولا معرفة بسبب انتشاره. شيء واحد واثق منه أنه لا علاقة لي بما حدث وأن ما روج في وسائل الإعلام عن وجود الإيدز فقط بالمصابين ليس إلا جزءا من الحقيقة المرة لأن ما تتحدث عنه التقارير العلمية والطبية بملف القضية هو أن هناك تفشي عدوى لثلاثة فيروسات نقص المناعة المكتسب والتهاب الكبد البائي والجيمي الوبائي.

رغم مرور أربع سنوات على مغادرتك ليبيا يبدو أن آثار التعذيب النفسي والبدني لا تزال تبدو عليك، هل الأمر كذلك أم أنا مخطئ؟

نعم لقد كانت أياما بل سنينا طوالا لا أتمناها لبشر على وجه الأرض. لقد سلطت علي أبشع وأشنع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي من ضرب وسب وحرمان من النوم واستخدام الكلاب البوليسية والكهرباء من الرأس إلى إصبع القدم فلم تترك موقعا من جسمي إلا نهشته الكلاب وصعقته الكهرباء.

تمنيت وقتها الموت بدل أن أعذب بتلك الطريقة ممن هم الإسلام منهم براء، كما تم حقني بمواد مخدرة بهدف غسيل مخي كي أرضخ لهم ولا تزال آثار التعذيب ظاهرة على جسدي بعد مرور 13 عاما على اعتقالي فقد كان كل جسدي مباحا لهم وأنا لا حول لي ولا قوة.

ماذا كانوا يطلبون منك بالضبط؟

كانوا يريدونني أن أرضخ لأقر بأني قمت مع الممرضات بحقن الأطفال بالمرض، ابتزوني بكل الطرق على الاعتراف مقابل إغراءات وكنت مصرا على براءتي، غير أني لم أنس اللحظة التي تمت فيها محاولة جلب أختي إلى مركز كلاب الأثر بطرابلس وهددوني إما بالاعتراف أو اغتصابها أمامي، ثم تم اغتصابي بكلب بوليسي، بعدها قلت لهم إني مستعد أن أعترف ليس فقط بقضية الإيدز وإنما أيضا بلوكربي حتى أتخلص من هذا العذاب.

علاقتك بالممرضات البلغاريات وأين تعرفت عليهن؟

أبدا ما عرفت إحداهن خلال عملي فلا هن يتكلمن لغتي ولا أنا أتكلم لغتهن. الممرضة الوحيدة التي التقيت بها أثناء مرحلة الامتياز هي الممرضة كريستينا في مستشفى الباطنية في 7 أكتوبر، قسم الغسيل الكلوي، كان هناك أطباء أربعة وكذلك من الممرضات وكانت كريستينا منهن، لم أكن أعرف عنها سوى أنها بلغارية ولكن لم يكن بيني وبينها أي احتكاك في الشهرين الذين قضيتهما في نفس القسم.

أما بقية الممرضات فلم ألتق بهن قط، فقط تم في جلسات التعذيب بالكهرباء تحفيظي أسماءهن.

كان من الممكن أن يكون أي شخص غيري وأن يمر بما مررت به، لقد كنت كبش الفداء المناسب
لماذا تم اختيارك واختيار البلغاريات دون آخرين؟

قد لا أملك الجواب الكافي، لكن كان من الممكن أن يكون أي شخص غيري وأن يمر بما مررت به، لقد كنت كبش الفداء المناسب لكون قدري أن أكون لاجئا فلسطينيا لا أملك دولة تحميني، وكما يقولون "من له ظهر لا يضرب على بطنه"، فكثير ممن كان معي خرج من الوهلة الأولى دون أن يحقق معه، أما اختيار الممرضات البلغاريات فهو أيضا لأن بلغاريا دولة شرق أوروبية خرجت من الشيوعية ولم تكن عضوا بالاتحاد الأوروبي ولا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) فجميعنا لا يساوي في المحصلة شيئا.

هل تلمح إلى عملية مقايضة من النظام الليبي وقتها للحصول على مصالح أخرى؟

القذافي قبلنا وبعدنا اختطف مواطنين أوروبيين، وكان الهدف بالدرجة الأولى ابتزاز الغرب، ولكن لأن لهم دولا تم إطلاق سراحهم، كاختطاف السياح الألمان والإيطاليين ثم السويسريين الذين اعتقلوا بعد قضية هنيبعل، ورجل الأعمال الروسي في 2009.

لقد كان القذافي بمحاولاته هذه دائم البحث عن كبش فداء ليبتز العالم ويغطي جرائمه وكان قدرنا أن يقايض بنا للإفراج عن المقرحي.

لوكربي في مقابل الممرضات البلغاريات تريد أن تقول، هي الصفقة التي كان القذافي يراهن عليها وتمت هذه الصفقة بالفعل واستفدتم أنتم منها، أليس كذلك؟

حريتنا هي حق لنا وليست منة لأننا أبرياء ولأن الصفقة كانت مقايضة بامتياز، فإنني لا أنسى ما صرح به عبد الرحمن شلقم في مايو/أيار 2000 أمام المفوضية الأوروبية ببروكسل "إذا لم تساعدنا أوروبا في حل مشكلة لوكربي فلن نساعدهم في حل مشكلة البلغاريات". وما قاله القذافي في مؤتمر أبوجا 2001 لأمراض الإيدز من أن قضية الإيدز وقضية لوكربي هما قضيتان متلازمتان، ثم ما قاله سيف الإسلام من أن الطاقم الطبي بريء، وهذه كلمة حق أريد بها باطل فنحن بالفعل أبرياء والباطل هنا هو أنهم كانوا يستخدموننا رهائن لإنهاء قضية لوكربي وفض خلافاتهم مع الغرب.

حكم عليك مرتين بالإعدام وأخرى مدى الحياة، هل شعرت في لحظة بأنك سترى براءتك؟

كنت ولا أزال واثقا من براءتي ولم تنقطع ثقتي بنصر من الله، وعندما وقع رئيس الوزاء البريطاني توني بلير في مايو/أيار 2007 على بروتوكول تبادل السجناء بين ليبيا وبريطانيا شعرت بالأمل، بعدها تم تخفيف العقوبة من الإعدام إلى المؤبد، وكنت أترقب الأحداث بحذر شديد لأن النظام الليبي لا يؤمن جانبه حيث كنتُ متخوفا من أن يتم إعدامي رميًا بالرصاص، ويقال إنني كنت أحاول الهروب كما حدث مع عدد من السجناء الليبيين، أو يتم عزلي عن قضية البلغاريات وتُلفق التهم لي وحدي.

تم إجباري كتابيا قبل الخروج من ليبيا على الالتزام بعدم ملاحقة النظام الليبي
هناك حديث عن أن وثائق وقوى ألزمتك السكوت وعدم متابعة الحكومة الليبية؟

نعم تم إجباري كتابيا قبل الخروج من ليبيا على الالتزام بعدم ملاحقة النظام الليبي، وهذه الوثيقة لم أكن لأرفضها وأنا تحت التهديد وبعد أن تحررتُ فإنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به لأني تقدمت بعدة دعاوى ضد القذافي، فتم استدعائي من قبل وزارة الخارجية البلغارية والهولندية ونصحت بعدم رفع قضايا ضد الحكومة الليبية مخافة تعرض المواطنين الأوروبيين في ليبيا للخطر، ولكن لم ولن أستمع إلى هذه النصائح، فما أريده يختلف تماما عما يريدونه من مصالح المال والأعمال.

ليبيا الآن تمر بمرحلة جديدة، مرحلة ما بعد القذافي، ماذا تريد أن تقول الآن للمجلس الانتقالي؟

ما يحز في نفسي أنه إلى الآن لم تتجل الحقيقة، ولم يُعرف الجناة الحقيقيون الذين تسببوا في هذه الكارثة احتراما لدماء الضحايا ولمعاناتنا التي دامت ثمانية أعوام دون أي ذنب، ولرفع ظلم عظيم وقع علي وعلى الممرضات وعائلاتنا، فمن حقي استرداد براءتي وبراءة أهلي وتمكيني من كافة حقوقي ووثائقي الدراسية.

وأقول لأهالي الأطفال المصابين أنا بريء من دم أبنائكم إلى يوم القيامة، وأعتقد أنه قد حان الأوان لليبيين أن يكسروا جدار الصمت بأن يفتحوا الملف من جديد ويحاكموا الجناة الحقيقيين، وهو الطلب الذي تقدمنا به كعائلة إلى السيد مصطفى عبد الجليل في 12 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري حيث إنه كان وزيرا للعدل يومها، ويعلم هو والكثيرون ممن عملوا بنظام الطاغية العديد من الحقائق، طالبناه برد الحقوق إلى أهلها وإعادة براءتنا المغتصبة إلينا.

لماذا تأخرت كل هذا الوقت والتزمت السكوت مع يقينك ببراءتك وأنت تعيش في الغرب حيث الحرية؟

يا سيدي أنا لم ألتزم السكوت قط فلقد تقدمت بقضية في فرنسا عام 2007 ضد القذافي شخصيا وتم إيقافها في 2009 للعلاقة الوطيدة بين النظام الليبي وفرنسا حينها، ورفعت قضية في عام 2007 ببلغاريا وتم إغلاقها لعدم التمكن من الوصول إلى رجال الأمن الذين عذبونا، ورفعتُ عام 2008 قضية أخرى أمام محكمة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة وذلك عندما ترأست ليبيا عضويتها، وعندما كان الجميع يرجون رضا نظام الطاغية لم أتوان في مواجهته في الأمم المتحدة بمؤتمر مناهضة العنصرية بجنيف عام 2009، والآن عام 2011 رفعت دعوى أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي وستضم إلى جرائم نظام القذافي.

هل أنت مستعد لأن تقف أمام محكمة ليبية مستقلة؟

لقد واجهتُ بشجاعة المحاكم الليبية الظالمة ويكفيني ما واجهتُ من الظلم الذي ألم بي وبعائلتي دون وجه حق، وأنا مستعد لمواجهة محاكمة دولية وإنني أدعو الليبيين إلى فتح الملف من جديد والبحث في من تسبب في هذا بحق أطفالهم الأبرياء وأقول لهم حقكم ليس عندي فابحثوا عن غريمكم ولا تتوانوا في ذلك.

أعيش اليوم مع أهلي وأسرتي وإخوتي الذين حرمت منهم ونالهم العذاب والتنكيل فقط لأنهم أهلي، ولكن للأسف لم يسمح لي بالعمل لأنني لا أملك ما يثبت دراستي
كيف تعيش الآن في أوروبا هل اشتغلت طبيبا؟

الحمد لله إني أعيش اليوم مع أهلي وأسرتي وإخوتي الذين حرمت منهم ونالهم العذاب والتنكيل فقط لأنهم أهلي، ولكن للأسف لم يسمح لي بالعمل لأنني لا أملك ما يثبت دراستي.

وإني أتذكر هنا قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم "اللهم ارحم قومي فإنهم لا يعلمون" فماذا أقول أنا لقومي وهم يعلمون ولا يزالون يفترون علي بالباطل وهم يعلمون أني بريء سوى حسبي الله ونعم الوكيل.

لا يفوتني هنا أن أجدد تحيتي لعائلتي التي وقفت إلى جانبي رغم الاضطهاد الذي تعرضتْ له من قبل أجهزة الأمن الليبية، كما أشكر مفوضية الاتحاد الأوروبي وأخص بالذكر دولة بلغاريا وهولندا وفرنسا وقطر وكل الشرفاء الليبيين والعرب والأجانب وكل من ساهم في الحفاظ على حياتنا وإخراجنا من ليبيا.

المصدر : الجزيرة