أندريا زكي رفض استخدام كلمة "اضطهاد" (الجزيرة نت)

أجرى الحوار/ أنس زكي

نفى القس د. أندريا زكي نائب رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر ما يردده البعض عن وجود اضطهاد للأقباط في مصر، بل إنه بدأ حواره مع الجزيرة نت بالقول إنه لا يحب استخدام كلمة "اضطهاد" لأنها لا تعبر عن الواقع، لكنه رأى أن ما شهدته مصر في السنوات الماضية يتراوح بين نوع من التوتر الطائفي وبعض حالات للتمييز ضد الأقباط.

وفيما يأتي نص الحوار:
 
ما تعليقك على ما تردده أصوات مسيحية حول وجود اضطهاد لهم في مصر؟
- لا أحب أن استخدم كلمة "اضطهاد" لأنها لا تعبر عن الواقع، لكني أرى أن ما يحدث في مصر هما شيئان، أولهما حالات توتر طائفي نتجت في الغالب عن مطالب لبناء كنائس قابلها تعامل قاصر كان يتم عن طريق المجالس العرفية أو تترك لـ"سماحة الأغلبية" في ظل غياب الحسم القانوني، وهو ما أظن أنه سيتوقف بالصدور المتوقع لقانون دور العبادة.
والأمر الثاني هو حالات من التمييز ضد الأقباط أتصور أن تنتهي بعد إصدار المجلس العسكري الحاكم في مصر بالفعل مرسوما بقانون يجرم التمييز على أساس الدين أو غيره، وإن كان الأمر تأخر كثيرا وتسبب في دفع أثمان باهظة.
  
وما نطاق حالات التمييز التي تراها من جانبك؟
- الأمر في أغلبه كان يحدث من بعض أفراد في مواقع حكومية أو جامعية، يدفعهم تعصبهم للتمييز ضد الأقباط وهو ما كان يعطي انطباعا غير صحيح عن العلاقات بين المسلمين والأقباط في مصر، وذلك بالتزامن مع بعض حالات التوتر الطائفي التي شهدت تدخل أفراد لمنع بناء كنائس، في غياب الدولة التي كان تدخلها غالبا ما يأتي متأخرا فضلا عن اقتصاره على نوع من المسكنات التي لا تعالج أصل القضية.   

هل تعطي هذه الحالات -مما وصفته بالتوتر الطائفي والتمييز- انطباعا للبعض بوجود اضطهاد للمسيحيين في مصر؟
- لا، فمن الأمانة أن أؤكد مجددا أنه لا يوجد أي اضطهاد للأقباط في مصر، بل إن الواقع يشير بشكل عام إلى وجود أرضية جيدة ومواتية للعيش المشترك وهو ما حدث عبر سنوات طويلة، ولا يقلل من ذلك وجود بعض المواقف التي جاءت في الأساس من "جماعات متعصبة" واستهدفت المسيحيين.
   
شهدت السنوات الماضية اتهامات كثيرة للأقباط بالاستقواء بالخارج، فما تعليقك عليها؟
- أرفض تماما محاولات الاستقواء بالخارج من كل الأطياف والطوائف، بمعنى أن أرفض محاولة بعض المسيحيين الاستقواء بالغرب وكذلك محاولة بعض الجماعات الإسلامية الاستقواء بالمال الخليجي، وأنا أرى أن ما يتردد عن الاستقواء بالغرب هو في الحقيقة أكذوبة كبرى لأن الغرب لا يهمه إلا مصلحته كما رأينا في العراق وغيرها، كما أن مثل هذه المشاكل تحل بالداخل وليس الخارج، لأن مستقبل المسيحيين في مصر مرتبط بالمسلمين وأي كلام غير ذلك غير حقيقي كما أنه غير عملي.

ما تقييمك لأداء نظام الرئيس السابق حسني مبارك في التعامل مع الملف؟
- لقد استغل نظام مبارك الملف القبطي أسوأ استغلال واستخدمه كفزاعة للمسلمين، كما استخدم في الوقت نفسه الجماعات الإسلامية لإثارة الفزع لدى الأقباط، وما نعيشه اليوم من أحداث هو حصاد لهذا النظام الذي أرسى الأزمات الطائفية في مصر بإثارته للفتنة وتجاهله للحلول الحقيقية التي كان يمكن أن تنزع فتيل هذه الأزمات، وتغلق الباب أمام احتمال تكرارها.
  
لكن بعض المسلمين يعتقد أن نظام مبارك دلل الأقباط، ويقول إن أمن الدولة مثلا يراقب المساجد وأئمتها في الوقت الذي لا يجرؤ فيه على دخول كنيسة أو مراقبة قس؟
- النظام لم يدلل الأقباط، وفي السنوات الستين الأخيرة ونصفها كان في ظل حكم مبارك، تعرض الأقباط للتهميش في الوظائف العليا كما أن بناء الكنائس كان قضية خلافية ولم يتم بسلاسة ويسر.

ألا يمكن القول إن الأقباط مسؤولون جزئيا عن هذا التهميش الذي تتحدث عنه؟
- هذا صحيح، وأنا أؤمن بأن الاعتراف بالحقائق أمر مهم من أجل الإصلاح الحقيقي، فقد ساهم الأقباط قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني الماضي في ذلك عبر سلبيتهم وتقاعسهم عن المشاركة الفعالة في الحياة السياسية، مما أعطى الفرصة لمن يرغب في تهميشهم، كما أن الأقباط اعتادوا اللجوء إلى الكنيسة للتعبير عن رؤاهم السياسية وهذا كان خطأ كبيرا، كما أنهم لم يسعوا لتطوير رؤى سياسية مع كثير من المسلمين المعتدلين وهم أغلبية في مصر، مع أن هذا واجب على من يمثل الأقلية في المجتمع.
  
وماذا عن توقعاتكم للفترة المقبلة؟
- ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي قدمت الأمل لكل المصريين مسيحيين ومسلمين على حد سواء، وأعتقد أن إصدار قانون التمييز وقرب إصدار قانون دور العبادة هو بداية جيدة في هذا الشأن، لكن يجب التأكيد على أن إصدار القوانين دون تفعيلها أمر لا قيمة له.
 
هل القوانين وحدها ستكون كفيلة بإنهاء التوتر؟
- لا أعتقد، ولذلك أدعو منظمات المجتمع المدني التي ترتبط بالنخبة ولها قاعدة جماهيرية أن تقوم بدور تاريخي في هذه المرحلة يقوم على تأسيس قيمة المواطنة وقبول الآخر، مع إرفاق ذلك بمشروعات تخلق فرصا جديدا للتعاون المنتج بين المسلمين والأقباط.

وأعتقد كذلك أن الإعلام له دور كبير ويجب أن يكون محايدا يقف على مسافة واحدة من كافة التيارات وألا يكون إعلاما تحريضيا كما حدث في الساعات القليلة الأولى لأحداث ماسبيرو، وإن كان الإنصاف يقتضي أن نقول إن الإعلام قام بعد هذه الساعات كما يواصل حاليا القيام بدور إيجابي في وضع الحقائق أمام الناس. ويبقى التعليم الذي أرى له دورا كبيرا في معالجة الملف الطائفي، حيث يجب إعادة النظر في مناهج التعليم بشكل جدي هذه المرة لإنتاج جيل يؤمن بالاختلاف والتعدد.
  
وهل تتوقع تحولا من جانب الأقباط بشأن المشاركة السياسية؟
- هذا حدث بالفعل مع اندلاع ثورة 25 يناير، حيث بدأ المسيحيون في التظاهر خارج الكنائس وليس داخلها كما أن كثيرا منهم شاركوا في الثورة رغم توجهات القيادات الدينية التي عارضتها وأيدت النظام السابق، فضلا عن تأييد قيادات كنسية لمبدأ التوريث وهو ما أراه خطأ سياسيا فادحا لا يجوز إغفاله، لأنه يقدم درسا للمستقبل حيث يجب أن لا تعبر القيادة الدينية عن مثل هذه المواقف، وعليها أن تنشغل بالسياسة بمعنى هموم الوطني وليس بالمعنى السلطوي أو الحزبي.

ربما تقصد موقف الكنيسة الأرثوذكسية بقيادة البابا شنودة، ولكن ماذا عن الأقباط الإنجيليين، ألم يكن لهم موقف مماثل؟
- لا، لقد أيدت الطائفة الإنجيلية الثورة من البداية وأصدرنا بيانا يدعم الثورة، وذلك في التاسع من فبراير/شباط أي قبل يومين من تنحي حسني مبارك عن الحكم.
  
تتصاعد بين الحين والآخر أصوات مسيحية متطرفة يعتبر بعضها أن الأقباط هم أصحاب البلد وأن المسلمين مجرد ضيوف وغير ذلك من التعبيرات المثيرة للفتنة، كما أن البعض تحدث عن سلوك عدائي لدى بعض من شاركوا في مظاهرات ماسبيرو الأخيرة من الأقباط، والتي أنتجت أزمة كبرى بالمواجهة مع الجيش، فما تعليقكم على ذلك؟
- فعلا هناك بعض الأصوات المتطرفة في الجانب المسيحي، لكنها أصوات قلة، وأنا أؤكد أن الموقف المسيحي العام ضد كل أشكال العنف لأن المسيحية لا تؤمن بالعنف كوسيلة لتحقيق المطالب المشروعة، وأعتقد أن الغاية الشريفة تبررها وسيلة شريفة وبالتأكيد فإن العنف ليس وسيلة شريفة، وبالنسبة لأحداث ماسبيرو أنا لم أكن شاهد عيان عليها وأعتقد أن الأقباط ليسوا مع العنف لأن لجوء الأقلية للعنف يمثل موقفا انتحاريا لو حدث.
    
وما الحل من وجهة نظرك للفتنة الأخيرة التي نتجت عن أحداث ماسبيرو؟
- لا حل سوى تحقيق محايد وشفاف ينتهي إلى كشف كل الحقائق دون مجاملة أو موازنات، ثم تطبيق حازم للقانون على من يثبت تورطه.
     
هل استوقفك أن التيار الديني في مصر سواء كان سلفيا أو إخوانيا تصرف بحكمة خلال أحداث ماسبيرو وبعدها؟
- هذا صحيح، فقد كان أمرا رائعا أن التيارات الدينية تعاملت بحكمة ولم تتورط في أي تحريض كان يمكن أن يشعل الموقف خصوصا في المناطق الشعبية والريفية، وهو أمر يحسب لهذه التيارات ويعطي الكثير من الأمل في أن أجواء الانفتاح والمشاركة السياسية بعد الثورة ستقودنا نحو الأفضل، متمنين أن تكون الدماء التي سفكت في ماسبيرو هي آخر الدماء التي تسفك على أرض هذا البلد الطيب.

المصدر : الجزيرة