مسؤول أميركي وصف العملية بأنها خرقاء وغير احترافية

تنشغل الأوساط السياسية العربية والإقليمية والدولية بخبر "المؤامرة الإيرانية المزعومة" التي كانت تستهدف السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير، لكن الحديث عن هذه "المؤامرة" تجاوز المسارات الدبلوماسية وأصبح عنوانا لحرب كلامية بين واشنطن وطهران ومعهما الرياض لا تبدو أنها ذاهبة إلى تصعيد عسكري، لكنها يمكن أن تؤدي إلى قطيعة بين البلدين.

فهذه "المؤامرة المزعومة"- والتي وصفها مسؤول أميركي بأنها "عملية خرقاء غير احترافية وغير عادية"- من تخطيط "فيلق القدس" الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، ومن تنفيذ إيرانيين اثنين هما منصور أربابيسيار (56 عاماً) الذي يحمل الجنسيتين الأميركية والإيرانية وعلي غلام شاكوري الضابط في "فيلق القدس" وبتوجيه من أعضاء بحكومة إيران، وفق مسؤولين أميركيين.

البداية كانت حين لجأ "أربابيسيار" –الذي عمل بائع سيارات مستعملة في تكساس- إلى سيدة التقاها خلال عمله لتعرفه على قاتل محترف في "كارتيل المخدرات المكسيكي" لاغتيال السفير السعودي.

ويضيف المسؤولون أن هذه السيدة لديها قريب (ابن أخيها) يعمل مخبرا بجهاز مكافحة المخدرات فقدمته إليه على أنه القاتل المأجور المفترض، والمتعامل مع شبكة "زيتاس" المكسيكية لتهريب المخدرات (المعروفة بوحشيتها وبقطعها لرؤوس وتشويه ضحاياها)- وبعدها بدأت واشنطن بعملية أسمتها "الحلف الأحمر" في مايو / أيار لإجهاض المؤامرة الإيرانية المزعومة.

الخيوط الأولى "للحلف الأحمر" تمثلت بإبلاغ المخبر السلطات الأميركية أن "أربابيسيار" حاول أن يؤجر خدماته لتنفيذ عملية اغتيال الجبير بتفجير مطعم يرتاده في واشنطن باستخدام عبوة ناسفة معدة بمواد "سي 4" شديدة الانفجار. 

وفق القرار الاتهامي وعد أربابيسيار بتأمين كميات كبيرة من الأفيون من إيران إلى المكسيك (الفرنسية)
مليون ونصف
ولهذا اجتمع "أربابيسيار" مرتين مع المخبر الأميركي قبل ثلاثة أشهر بالمكسيك حيث عرض عليه مليونا وخمسمائة ألف دولار مقابل تنفيذه العملية، تم تحويل مائة ألف دولار على مرحلتين كدفعة أولى إلى المخبر المكسيكي، من مصرف غير إيراني إلى حساب المخبر بالولايات المتحدة.

وطلب القاتل المأجور المزعوم إثر ذلك من "أربابيسيار" ضمانات بتسديد المبلغ كاملا بعد الاغتيال، فقال الأخير إنه سيحضر إلى المكسيك ويقيم فيها تحت رحمة كارتيل المخدرات حتى يتم تنفيذ العملية، ثم يسدد هو باقي المبلغ، واعدا القاتل المفترض، وفق القرار الاتهامي الوارد في 21 صفحة، بتأمين كميات كبيرة من الأفيون من إيران إلى المكسيك.

وبعد اكتمال التحضيرات الأولية "للمؤامرة" عاد  أربابيسيار من طهران إلى العاصمة المكسيكية عن طريق فرانكفورت بألمانيا في 28 سبتمبر/ أيلول لعقد جلسة تحضير نهائية للاغتيال، لكن السلطات المكسيكية اعتقلته يوم دخوله البلاد ووضعته على متن طائرة نقلته إلى نيويورك حيث تسلمته السلطات الأميركية، ووُجد في حوزته جوازا سفر أميركي وإيراني، وتذكرة عودة من المكسيك إلى طهران تاريخها في أكتوبر/ تشرين الأول.

وعلى إثر اعتقاله، وافق "أربابيسيار" على التعاون مع التحقيق، وقام، بطلب من المحققين، بالاتصال مرتين بمن يدعي أنه "ابن عمه" المسؤول في الحرس الثوري علي غلام شكوري، الذي طلب من "أربابيسيار" تأجير خدمات القاتل المكسيكي في ربيع 2011 أثناء جلسة عقدها الاثنان في إيران.

وعمل المحققون على تسجيل الحديث بين الرجلين، ليتوصلا إلى نتيجة مفادها أن خطة اغتيال الجبير أشرف عليها شكوري بموافقة من مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، أحدهم قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني، الذي يعمل بأوامر مباشرة من مرشد الثورة الإسلامية على خامنئي.

المتهمون في "المؤامرة" قائد وضباط كبار "بفيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني (الفرنسية-أرشيف) 

فيلق القدس
وتعتقد المصادر الأميركية أن سليماني يشرف على "العمليات الخارجية" للحرس الثوري، وسبق للمسؤولين الأميركيين أن اتهموه بالإشراف على أعمال العنف في العراق، وبالمحاولة بالتلاعب بالانتخابات العراقية الأخيرة، كما يعتقد الأميركيون أن سليماني يعمل على تنسيق العلاقة الإيرانية مع حزب الله اللبناني.

ويشير الاتهام الأميركي في التخطيط لاغتيال السفير السعودي أيضا إلى عبد الرضا شاهلاي، وهو ضابط كبير في قيادة فيلق القدس والحرس الثوري الذي أمضى فترة العام الماضي وبعض هذا العام بالولايات المتحدة حيث كان ينسق في عملية اغتيال السفير مع "أربابيسيار".

وتشير التحقيقات الأولية إلى أن شهلاي هو من قام بتأمين خمسة ملايين دولار لـ"أربابيسيار" ليقوم الأخير بتجنيد العناصر التي تتطلبها العملية بكاملها من اغتيال السفير إلى تفجير مقري السفارتين السعودية و(الإسرائيلية) في واشنطن وبوينس أيرس.

أما الثالث بين المتورطين فهو حامد عبد اللهي المعروف بأنه شارك من إيران في عمليات التنسيق بين الآمرين بالعملية في طهران ومخططيها ومنفذيها في الولايات المتحدة، وفق ما يقوله المحققون الأميركيون.

وتتهم واشنطن وبوينس أيريس عناصر من فيلق القدس بتفجير مقر الجمعية اليهودية لأرجنتينية (أميا) في العاصمة الأرجنتينية عام 1994والذي أدى إلى مقتل 85 شخصا وتفجير استهدف السفارة الإسرائيلية في بوينس أيرس وخلف 29 قتيلا.

كما تحمل واشنطن "فيلق القدس" المسؤولية عن تفجير أبراج الخبر في السعودية عام 1996 والذي أدى إلى مقتل 19 جنديا أميركيا فضلا عن اتهامه بتهريب صواريخ بعيدة المدى "لمجموعات شيعية" في العراق والتي استخدمت في الهجوم على معسكر أميركي في بغداد في يونيو/ حزيران وخلف ستة جنود أميركيين ناهيك عن الدور الإيراني في تسليح حركة طالبان بأفغانستان، وفق مسؤولين أميركيين.

أخطاء وجهل
ويشير مسؤول أميركي رفض الكشف عن هويته إلى أن أربابيسيار -الذي تزوج من أميركية من أصل لاتيني عام 1991 بتكساس وطلقها بعد ست سنوات- ارتكب أخطاء عدة من ضمنها اعتماده طريقة مكشوفة في دفع مصاريف الهجوم، مرجعا الإخفاق الإيراني لجهل طهران بتنفيذ عمليات سرية في الولايات المتحدة والمكسيك.

وعن هذا التخطيط يوضح مسؤولون أميركيون أن الإيرانيين كانوا يأملون بأن تلصق تهمة اغتيال السفير السعودي بالقاعدة، وبهذا يكونون ضربوا "عدوين بحجر واحد"، الولايات المتحدة التي تقف في وجه طموحات إيران النووية والسعودية المنخرطة بحرب دبلوماسية باردة مع إيران على النفوذ في منطقتي الخليج العربي والشرق الأوسط.

وفي موضوع العلاقات "المتدهورة" بين الرياض وطهران تذكر وكالة أسوشيتد برس أن السعودية ساعدت البحرين في التصدي للمتظاهرين الشيعة في البحرين والذين تدعمهم إيران، وفي سوريا –وفق الوكالة- فإن طهران تقدم النصيحة والدعم للنظام السوري لقمع المتظاهرين والتصدي لهم خلافا للسعودية التي طالبت النظام بوقف القتل وسحبت سفيرها من دمشق.

المصدر : وكالات