عناصر من الشرطة المصرية خلال مظاهرة السبت بميدان التحرير في القاهرة (رويترز)

أنس زكي - القاهرة
 
في بلد يقدر فيه منتسبو الشرطة بمئات الألوف وربما بالملايين، كان السؤال الكبير على ألسنة المصريين في الأيام القليلة الماضية يتكون من ثلاث كلمات لا غير، وهي "أين اختفت الشرطة؟".
 
مطار القاهرة ربما كان الاستثناء الوحيد في هذا الشأن لكن إذا غادرته باتجاه قلب العاصمة أو نحو أطرافها فلن تجد أيا من عناصر الشرطة على اختلاف أقسامها وأفرعها.

وحتى شرطة المرور لم يعد لهم وجود حيث أصبحت كل الميادين والتقاطعات خالية منهم، ولم يجد المواطنون بدا من تولي المسؤولية بأنفسهم حين تطوع مئات الشباب لتنظيم المرور على قدر استطاعتهم، وسط عبارات الثناء والتقدير من قائدي السيارات المارة.
 
ونقاط التفتيش المنتشرة في الشوارع الرئيسية أو ما يسميه المصريون "الكمائن" أصبحت أثرا بعد عين، مما أثار ارتياح كثيرين ممن كانوا يخشون مضايقات بعض القائمين عليها، لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف كثيرة من فقدان الأمن.
 
لغز كبير
وإذا كان السؤال أين اختفت الشرطة هو القاسم المشترك الأعظم في حوارات المصريين خلال هذه الأيام، فإن الإجابة ظلت تمثل لغزا كبيرا كان بدوره حقلا خصبا للكثير من التكهنات المتفاوتة.
 
رجلا شرطة بالزي المدني لدى اعتقال
 أحد المتظاهرين (الفرنسية)
الكثيرون يعتبرون أن ما حدث كان مؤامرة مقصودة، الهدف منها حسب هؤلاء هو إلهاء المتظاهرين أو من هم بصدد الانضمام للمظاهرات كي ينشغلوا بأمنهم الشخصي وتأمين عائلاتهم وممتلكاتهم، خاصة أن الشائعات عن عمليات استهداف لهذه الممتلكات سرت مسرى النار في الهشيم.
 
آخرون رأوا أن ما حدث ناتج عن خوف أفراد الشرطة من التعرض لغضب المعتصمين، خاصة أن تجاوزات الشرطة كانت أحد الأسباب الرئيسية لهذه الهبة الشعبية.
 
كما أن مراكز الشرطة كانت بالفعل هدفا للكثير من المتظاهرين والغاضبين حيث يندر أن ترى أحد هذه المراكز قد نجا من الهجمات التي تراوحت بين الإحراق والإتلاف.
 
غياب التعليمات
وبين هؤلاء وأولئك فسر أحد رجال الشرطة -الذين حرصوا على إخفاء هوياتهم وخلعوا أزياءهم الرسمية- الأمر بأنه نتج عن غياب التعليمات والأوامر من القيادات العليا التي اختفت بشكل سريع وفي ظروف مريبة، فما كان من أصحاب الرتب الصغرى إلا أن بحثوا عن الأمن الشخصي الذي كان بالنسبة لهم هذه المرة يعني مغادرة مقارهم وخلع بزاتهم.
 
ويبقى أن انتشار الجيش في العديد من المناطق أشعر الكثيرين بالأمن، لكن المشكلة الحقيقية أن هذا الانتشار تركز أولا في الميادين الرئيسية، ثم امتد إلى ما حولها، لكنه ظل بعيدا عن الأحياء الشعبية التي لم يخف سكانها استياءهم ونقمتهم.
 
وعبر أحد الشباب عن الموقف بحسرة، مشيرا إلى أن هذه المناطق الشعبية اعتادت طويلا على التهميش والإهمال، لكنه عاد وأكد بكثير من الأمل أنه يثق بأن الغد سيكون أفضل، وأن مصر مقبلة حتما على تغيير حقيقي وجذري. 

المصدر : الجزيرة