الأمين العام لاتحاد الشغل عبد السلام جراد (يمين) مجتمعا إلى مؤسس الحزب الديمقراطي التقدمي المعارض أحمد نجيب الشابي أثناء المشاورات التي سبقت تشكيل الحكومة (الأوروبية)

منذر القروي-الدوحة
 
تحول الاتحاد العام التونسي للشغل -المركزية النقابية- إلى لاعب رئيس في المعركة السياسية الجارية, وعاملا حاسما في تحريك الشارع، مما أثار انتقادات من أطراف تنكر عليه اقتحام الحياة السياسية بهذه الطريقة, وتتساءل عن دوافع ذلك.
 
وعقب فرار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني الحالي بعد الانتفاضة الشعبية, كان اتحاد الشغل أحد الأطراف الرئيسة في المشاورات التي أفضت إلى تشكيل ما سمي حكومة وحدة وطنية, وهي الحكومة التي أثارت تركيبتها موجة رفض في الشارع ترجمتها المظاهرات والإضرابات التي ظلت تنظم بشكل يومي تقريبا.
 
وكانت المركزية النقابية -التي تتفرع عنها نقابات أساسية في مختلف القطاعات- نادت عقب فرار بن علي بحكومة إنقاذ وطني تضم كل الأطياف السياسية, بل وكانت على وشك أن تشارك في الحكومة بثلاثة كتاب دولة (دون رتبة وزير) في حكومة محمد الغنوشي.
 
لكنها انسحبت بعد ذلك, وبررت الانسحاب بأن الغنوشي تعجل في إعلان تركيبة الحكومة بعدما أسند 14 حقيبة وزارية إلى عناصر في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا.
 
قيادة اتحاد الشغل دعت إلى سلسلة من الإضرابات وأيدت المظاهرات ضد الحكومة(الفرنسية)
في الواجهة
وكان من الواضح أن انسحاب اتحاد الشغل من حكومة الغنوشي –التي نعتها البعض بحكومة بن علي-  قد أضعفها رغم تمسك الغنوشي بها, والدفاع المستميت عنها من قبل ممثلي المعارضة المشاركين فيها وعلى رأسهم مؤسس الحزب الديمقراطي التقدمي أحمد نجيب الشابي, والأمين العام حركة التجديد أحمد إبراهيم اللذين يشغلان تباعا حقيبتي التنمية الجهوية والتعليم العالي.
 
ولم يقتصر الأمر على الانسحاب, فاتحاد الشغل بات تقريبا رأس حربة الاحتجاج على تركيبة الحكومة الانتقالية وطالب مع أحزاب ومنظمات عديدة بحكومة جديدة تقطع تماما مع عهد بن علي.
 
وتقول كل هذه الأطراف إن بقاء الحكومة بتلك التركيبة يعني أنه لم يحدث تغيير كبير مقارنة بالوضع الذي كان سائدا في عهد بن علي, وتحذر من أن ذلك ما هو إلا بداية مصادرة للثورة الشعبية.
 
ولا شك في أن استنفار المركزية النقابية للشارع عبر سلسلة من الإضرابات شملت في البداية قطاعي التعليم الابتدائي والثانوي, وإضرابات عامة ومظاهرات بمشاركة عشرات الآلاف في مدن بينها صفاقس (جنوب) وسيدي بوزيد والقصرين (وسط غرب), وانخراطها في ما يشبه جبهة مناهضة للحكومة تطالب بحكومة وفاق وإنقاذ قد وضع حكومة الغنوشي في وضع صعب.
 
وقد فرض عليها ذلك الوضع التفكير في إزاحة وجوه محسوبة على نظام بن علي, خاصة الوجوه التي أسندت إليها الحقائب السيادية الرئيسة (الداخلية والخارجية والدفاع).
 
وبالنسبة لاتحاد الشغل, فإن هذا الموقف "الراديكالي" لم يكن بلا تبعات، فقد تعرضت مقاره في مدن قفصة وسوسة والكاف وغيرها لاعتداءات من مجموعات يؤكد قادة المركزية النقابية في تصريحات لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية أنها من تدبير الحزب الحاكم سابقا.
 
والملاحظ أن هذه المنظمة النقابية -التي تأسست قبل استقلال تونس عن فرنسا في 1956, وتضم ما لا يقل عن نصف مليون منخرط- قد صعدت موقفها المناهض لحكومة الغنوشي بعدما بدأت تواجه حملة إعلامية وسياسية منظمة، وفق ما يؤكد قادتها.
 
"
البعض يدعي أن قيادة المركزية النقابية تحاول من خلال التصعيد في الشارع التغطية على تورط بعض رموزها في الفساد ودعم نظام بن علي
 
"
تساؤلات
وفي المقابل, فإن تساؤلات تتردد في أوساط سياسية وإعلامية تونسية عن الدافع الحقيقي الذي يجعل اتحاد الشغل يتحول بهذه الكيفية إلى طرف في الصراع السياسي.
 
ويتحدث إعلاميون تونسيون في برامج حوارية في القنوات المحلية عن اعتراض أطراف داخل اتحاد الشغل على هذا التوجه.
 
ويذهب بعض أولئك الإعلاميين إلى حد القول إن قيادة اتحاد الشغل إنما تعمل من خلال موقفها "التصعيدي" على حماية بعض رموزها المتهمين بالفساد وبدعم النظام السابق وعلى رأسهم الأمين العام عبد السلام جراد.
 
ومن بين المؤاخذات على قيادة الاتحاد أنها سكتت عن أحداث الحوض المنجمي التي اندلعت في محافظة قفصة جنوب غرب البلاد في ربيع 2008, قبل أن تلتحق متأخرة بالثورة التي أطاحت ببن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011.   
 
ويتساءل المعترضون على موقف المركزية النقابية عما يدفع قيادة المنظمة إلى التصرف بهذا الشكل، في حين أنها تلكأت في دعم الثورة الشعبية أو "ركبتها" مثلما ركبتها أو حاولت ركوبها بعض الأطراف السياسية. 

المصدر : الجزيرة