ميقاتي (يسار) في لقاء بروتوكولي مع الحريري أمس الأربعاء (الجزيرة)

يقف لبنان أمام مفترق طرق يرى المراقبون أنه الأخطر باعتبار أن ما جرى من إسقاط للحكومة وما تلاها من أحداث رسم عقدة تتداخل فيها الاصطفافات الداخلية التي لا تخلو من حسابات طائفية وضغوط دولية وإقليمية تتصل بالمحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري وموضوع سلاح حزب الله.
 
فالنائب الطرابلسي نجيب ميقاتي الذي كلف بتشكيل الحكومة خلفا لسعد الحريري الذي أسقطت المعارضة بقيادة حزب الله حكومته عبر استقالة وزرائها، يعد بنظر أنصار الحريري مجرد واجهة لحزب الله، الأمر الذي كان السبب في اشتعال الاحتجاجات يوم الثلاثاء الماضي تحت اسم "يوم الغضب".
 
معتبرا نفسه مرشحا وسطيا، أكد ميقاتي أنه سيسعى لتشكيل حكومة تضم جميع الأطراف أو حكومة خبراء تكنوقراط في حال فشلت المحاولات لتشكيل حكومة سياسية تمثل مكونات المجتمع اللبناني طبقا للتمثيل الطائفي المعمول به في إطار ما يسمى "الديمقراطية التوافقية".

من مسيرة مؤيدة للحريري في بيروت (رويترز)
بيد أن الطرف المقابل المنضوي في إطار قوى 14 آذار بزعامة تيار المستقبل -الذي يقوده الحريري الابن-كان واضحا في رفضه المشاركة في أي حكومة يشكلها حزب الله أو أي من حلفائه، كما ورد على لسان رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري نفسه مع بدء الاستشارات النيابية لاختيار رئيس الحكومة الجديدة.
 
الاحتمالات
في حال أصرت قوى 14 آذار على رفضها، فهذا يعني أن شريحة واسعة من المسلمين السنة الذي يرون الحريري زعيما لها ستكون خارج صناعة القرار، مما يمهد على الأرجح إلى المزيد من الاحتجاجات التي قد لا تتخذ الطابع السلمي وسيلة دائمة للتعبير عن موقفها.
 
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، حيث يرى بعض المراقبين أن قوى "سنية متطرفة موالية لتنظيم القاعدة" قد ترى في تشكيل الحكومة الجديدة مبررا لها لاستخدام العنف ضد حكومة يسيرها "حزب شيعي مدعوم من إيران"، في إشارة إلى حزب الله، على أساس أن ميقاتي فاز بتكليف الحكومة بأصوات نواب المعارضة.
 
يضاف إلى ذلك أن أصواتا مسيحية في إطار قوى الرابع عشر من آذار وعلى رأسها القوات اللبنانية تتجاوز هذا الرفض والعودة إلى خطاب العام 2005 الذي أعقب اغتيال الحريري لاعتبار الحكومة الجديدة انقلابا سياسيا يقوض مساعي لبنان للسيادة والاستقلال عبر تكريس واقع سلاح حزب الله وتقويض المحكمة الدولية.
 
من أعمال الشغب التي شهدتها بيروت الثلاثاء الماضي بعد الإعلان عن تكليف ميقاتي بتشكيل الحكومة (رويترز-أرشيف)
حزب الله
في المقابل، وفي حال وافق حزب الله وحلفاؤه في المعارضة الدخول في حكومة ميقاتي، فلا يزال من غير الواضح عدد الوزراء الذين سيدخل بهم حزب الله التشكيل الحكومي.

في هذا السياق، نقل موفد الجزيرة إلى بيروت ماجد عبد الهادي أنباء عن أن حزب الله لن يشارك في حكومة غير سياسية أي لا تجمع القوى السياسية المعروفة التي يمكنها أن تكون حكومة وحدة وطنية، في إشارة إلى تردد الحزب في الدخول بحكومة تكنوقراط ألمح إليها ميقاتي نفسه.

وهذا إن حدث، يقول مراقبون، قد يمنح ميقاتي فرصة تشكيل حكومة من الخبراء دون أن يضطر للدخول في دهاليز التناقضات السياسية، وبالتالي الحصول على وقت مستقطع إضافي يمكن من خلاله تقريب وجهات النظر على حل وسط.

الضغوط الدولية
وانطلاقا من هذه القراءات المسبقة لتداعيات تشكيل الحكومة، يرى بعض المراقبين أن الحكومة المقبلة قد تجد نفسها مضطرة لمواجهة المجتمع الدولي في حال سارت مع مطالب المعارضة بإلغاء التعاون مع المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري.
 
وكانت التهديدات الأميركية واضحة على هذا الصعيد وعلى لسان أكثر من مسؤول أميركي فضلا عن المطالبات الأوروبية والأمم المتحدة بضرورة أن تلتزم حكومة ميقاتي بتعهداتها الدولية، في حين ترى المعارضة بقيادة حزب الله أن المحكمة الدولية ليست سوى طريقة جديدة يمنح الإسرائيليين النصر الذي عجزوا عن تحقيقه في حرب 2006 على أساس أن القرار الاتهامي يتهم أعضاء في حزب الله بالوقوف وراء الاغتيال.
 
علي أي حال وبعيدا عن المواقف والضغوط الدولية، يتكئ بعض المتابعين للشأن اللبناني على التاريخ للاستدلال بأن التركيبة الطائفية اللبنانية المنصوص عليها دستوريا عبر المحاصصة البرلمانية والحكومية (الرئيس مسيحي ماروني، رئيس الحكومة مسلم سني، ورئيس مجلس النواب مسلم شيعي) هي بحد ذاتها خزان وقود قابل للاشتعال دوما في وقت الأزمات السياسية.

المصدر : الجزيرة + رويترز