أولويات دولة الجنوب المنتظرة
آخر تحديث: 2011/1/26 الساعة 13:45 (مكة المكرمة) الموافق 1432/2/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/1/26 الساعة 13:45 (مكة المكرمة) الموافق 1432/2/22 هـ

أولويات دولة الجنوب المنتظرة

مطار جوبا كغيره من المرافق يحتاج إلى التأهيل والتحديث (الجزيرة)

ما هي إلا أيام وتعلن مفوضية الاستفتاء ميلاد دولة جديدة بـجنوب السودان بعد ترجيح كبير لخيار الانفصال في الاستفتاء على تقرير المصير، آخر فصول اتفاقية السلام الشامل للعام 2005، وعقب فترة انتقالية تمتع فيها الإقليم بحكم ذاتي كامل وبـ50% من إيرادات البترول بل وبنصيب وافر في الحكومة القومية.
 
غير أن الدولة الوليدة ستجد نفسها أمام بنية تحتية ضعيفة، واقتصاد يعتمد بأكثر من 90% على البترول المعرض لأن ينضب في أي لحظة، ومن الناحية الاجتماعية حروب بين القبائل ونزاعات تاريخية خلفت حتى وقت قريب مئات القتلى.
 
فمطار جوبا على سبيل المثال عبارة عن بناية صغيرة، وخدماته محدودة، أما طرقات المدينة فلم يعبد منها سوى القليل، وجل بيوت المدينة لا تزال بدائية، مبنية من خشب وصفيح، ناهيك عن المناطق البعيدة والأمصار التي تنعدم فيها أبسط مقومات التنمية.
 
أتيم قرنق تعهد بكفالة التعددية السياسية بجنوب السودان (الجزيرة نت)
وتبرز كذلك تحدي العلاقات مع دول الجوار، فالجنوب تحيط به خمس دول فقيرة وتنظر إلى قيام دولة جارة على أنها صيد ثمين سيحقق لها مكاسب اقتصادية، وهناك أيضا قضايا متشابكة مع الشمال لم تحل وتبرز مفارقة هنا في أن الجنوب يعتمد بنسبة 98% على البترول، وهذا البترول يصفي في الشمال ويصدر عبر الشمال أيضا.
 
فما أولويات هذه الدولة سواء على الصعيد السياسي والاقتصادي للعبور بهذا الكيان الجديد إلى بر الأمان وتجاوز القضايا التي يمكن أن تعوق مساره في ظل وجود فجوات أمنية وتمرد في بعض المناطق.
 
دعم البنية التحتية
يقر أتيم قرنق القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان ونائب رئيس البرلمان السوداني في حديث لبرنامج "في العمق" الذي بثته الجزيرة أن البنية التحتية ضعيفة في الجنوب، وهذا يتطلب وفق ما قال بناء الكباري والطرق، وفيما يتصل بالاقتصاد أكد أنه سيكون هناك اعتماد على الزراعة لأن البترول مورد غير ثابت.
 
ومن الناحية الاجتماعية يؤكد قرنق أن جنوب السودان اكتوى بالحروب لمدة خمسين عاما، ولذلك سيتجه نحو التعددية السياسية، "لأن الحركة الشعبية تؤمن بالمواطنة والتعددية السياسية بحيث إن تحقيق الحرية والمساواة والعدالة لا يمكن بدون التعددية السياسية، أي وبلغة أخرى وجود الديمقراطية".
 
غير أن عبد الله دينق نيال السياسي الجنوبي ونائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي المعارض يرى أن أولويات الدولة هي تحقيق الأمن والاستقرار والسلام، لأن هناك فجوات أمنية مثل التمرد الذي يقوده جورج أثور، وهو ضابط سابق في الحركة الشعبية في ولاية الوحدة.
 
فلكي تقوم الدولة وتصبح قابلة للعيش يجب وضع حد لهذه الأعمال العدائية، وفق نيال، لأنها قد تتطور إذا تركت، فمشكلة الجنوب نفسها بدأت شرارة ثم أهملت، وكل هذه القضايا التي يعاني منها السودان بسبب عدم الاستقرار".
 
انتماء قبلي
وفي الجانب السياسي من المؤكد أن جنوب السودان ليس على قلب رجل واحد، فالقبيلة فيه هي دائرة الانتماء الأولى، وهو انتماء ستتصادم فيه المصالح القبلية في إطار الخريطة الجديدة لتوزيع ثروات الجنوب داخليا ومطامع الجوار الأفريقي وحتى الدولي.
 
عبد الله دينق نيال يرى أن أولوية الدولة تحقيق الأمن والاستقرار (الجزيرة)
أما الأحزاب الجنوبية فهي غائبة حتى الآن في صياغة عقيدة الدولة الجديدة تماما كما كانت غائبة إبان الفترة الانتقالية التي استأثرت فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان بالسلطة، وهو نموذج يكرر نفس ما كان يطلق عليه الجنوبيون هيمنة الشمال على السلطة وأبدى الجنوبيون امتعاضهم منه وطالبوا بنصيبهم في السلطة والثروة.
 
والجنوب بالتأكيد ليس الحركة الشعبية فقط، فهناك عشرات الأحزاب وهناك قيادات جنوبية موجودة في تكتلات سياسية أخرى أو عسكرية، فكيف يمكن ضمان مشاركة سياسية فعالة وإيجابية من جميع القوى السياسية في دولة الجنوب المنتظرة؟
 
خريطة طريق
يجيب أتيم قرنق بأن "الجنوبيين أعدوا خريطة طريق نحو المستقبل، وذلك بإجراء الحوار الجنوبي الجنوبي ووضع لبنات اتفاق إطاري بشأن كيف يمكن أن يحكم جنوب السودان من قبل أبنائه من دون صراع كما حدث في الخرطوم، لأنه لو انفصل جنوب السودان فسيكون دليلا على فشل نظام الحكم في الخرطوم، ولذا لا يمكن أن نكرر نظاما فاشلا، ولا بد أن نعمل عكس ذلك بإرساء لا مركزية السلطة".
 
ولكن الشكل السياسي والأحزاب السياسية هي تمظهرات لواقع وقوة قبلية، والقبيلة هي المكون الأساسي والقوي جدا الذي يتحكم في العلاقات، كيف يمكن حسم هذه الإشكاليات والتداخلات والتقاطعات القبلية في الجنوب؟
 
داك بيشوب حذر من تكريس الديمقراطية لحكم القبيلة كما هو موجود حاليا (الجزيرة)
من وجهة نظر عبد الله دينق نيال فإن "الجنوب مكون من عشرات القبائل وعشرات اللغات، وهذا تحد يتوقف على حسن إدارة هذا التنوع وهذا التعدد والتباين، وإذا أحسن إدارة هذا فقد يكون عنصر قوة للجنوب".
 
وزاد أنه "إذا لم يحسن إدارة هذا الأمر فسيكون باب جهنم، لأن لا أحدا يستطيع أن ينسلخ من قبيلته، ليس كالحزب السياسي، الذي يمكن أن تخرج منه لتنضم لهذا الحزب أو ذاك".
 
غير أن داك بيشوب القيادي الجنوبي بحزب المؤتمر الوطني يرى أن تحقيق دولة المواطنة على ضوء تجربة الحركة الشعبية أمر صعب تحقيقه، "فالجنوب قبائل وليس هنالك أيديولوجية ولا فكر يجمع الجنوبيين، ولكن الديمقراطية هي التي تجمعهم، غير أن هذه الديمقراطية قد تكرس لحكم القبيلة كما نرى في التجربة الماثلة اليوم، فالحكم الموجود الآن في الجنوب إن كنا نسميه قوة داخل الحزب أو نسميها قبيلة قوية داخل التنظيم هي المسيطرة الآن، "في إشارة لقبيلة دينكا المسيطرة بالجنوب".
 
ويقر بيشوب بأن الحركة الشعبية تتمتع بالأقدمية في الجيش، "ومن حقهم أن  يسيطروا، ولكن إذا أرادوا أن يكون هناك حكم راشد وتنوع ثقافي وإثني فعليهم أن يخلعوا ذلك لأنهم سيلبسون ثوبا جديدا، ولكن الإنسان بحكم طبيعته كما تعلم لا يريد ذلك والآن يقوون أنفسهم".
المصدر : الجزيرة