رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان الكاردينال جان لويس توران (الجزيرة نت)

غادة دعيبس-روما

نفى رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان الكاردينال جون لويس توران تدخل الفاتيكان بالشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط والعالم العربي، وأشار في حوار مع الجزيرة نت من مكتبه في "شارع الصلح" التاريخي المطل على كنيسة القديس بطرس بروما، إلى استمرار الحوار مع المسلمين.

وفي ما يلي نص الحوار:

كيف تقيّمون العلاقة بين الديانات في الوقت الراهن؟

الحوار مستمر بين المؤمنين من مختلف الأديان، لكن الحوار مع المسلمين في الوقت الراهن هو الأكثر صلابة وتنظيماً من خلال مشاركة العديد من المنظمات والمؤسسات الإسلامية. 

 وقد خرجت بانطباع جميل خلال زياراتي إلى مصر، وإندونيسيا، وإيران وباكستان وغيرها من الدول.

وندرك جميعنا مسلمين ومسيحيين أنه لا يوجد طريق آخر غير الحوار، والبابا وكافة وزاراته المشاركة في هذا الحوار مقتنعون جدا بذلك.

لكنك تؤمن بالحوار الوجودي وليس المذهبي (اللاهوتي)؟ 

الحوار المذهبي مثل الحوار الوجودي، وكلاهما يكملان بعضهما البعض، لكن الحوار الوجودي يتعلق بالحياة اليومية، وعلى سبيل المثال في البنايات السكنية بأحياء باريس تجد عائلة مسيحية وإلى جانبها عائلة مسلمة، وهنا يولد الحوار، حيث يتبادلون الدعوات في شهر رمضان وأعياد الميلاد ويقومون بزيارات متبادلة في بعض المناسبات مثل ولادة طفل وفي الأفراح والموت.

أما الحوار على المستوى اللاهوتي فما زال غير ناضج بعد، وهناك تبادل في الأفكار حول القيم الدينية والمجتمعية، مثل الأسرة، وتعليم الأجيال الشابة، والعدالة الاجتماعية، ومفهوم السلام..

هل يعني أنه لا توجد نقطة وصل بين الاثنين؟

لا أستطيع الجزم بهذا، لأن هناك بعض أوجه التشابه الحقيقية مثل الإيمان بالله الواحد والحياة الأبدية، وما إلى ذلك، مثلما توجد أيضاً مفارقات عميقة، لا سيما فيما يتعلق بشخص يسوع ورسالته الخلاصية. نحمد الله على أوجه التشابه، ولكن لدينا واجب احترام الاختلافات المشروعة ولا سيما تلك المتعلقة باللاهوتية. 

وهناك جانب هام علينا أن نأخذه بعين الاعتبار، وهو علاقة المؤمنين بالكتب المقدسة لدى المسيحيين والمسلمين، فالمسلم يبدي اهتماماً أكبر بالقرآن الكريم ويتبع التأويل والتفسير والفهم، بينما نعطي نحن أهمية أكبر لشخص المسيح، وهذا يتطلب مساحة أكبر للخوض في هذا الموضوع بطريقة صحيحة. 

    تسببت نداءات البابا لحماية المسيحيين بالشرق الأوسط في إثارة حفيظة بعض الدول العربية التي اعتبرت ذلك تدخلاً في شؤونها الداخلية. ما ردكم على ذلك؟

إن الكنيسة مثل الأسرة وطبيعي أن تقلق على أبنائها وقت المصاعب، وهذا ما يجعلني أتفهم أكثر قلق رجال الدين في الدول الإسلامية على الأفراد والجاليات المسلمة عندما تمر بمحنة.

من جهة ثانية، هناك تضامن يتجاوز كل الانتماءات الدينية أو المذهبية، وأذكر أنه لم يتحدث زعيم ديني لصالح مسلمي البوسنة والهرسك خلال الحرب التي ضربت البلاد (1992-1995) أكثر من البابا يوحنا بولس الثاني.

لكن هذه الدعوات تعطي انطباعا بأن المسيحيين ينتمون إلى الغرب؟

طبعاً هم عرب، إنهم جزءٌ لا يتجزأ من مجتمعاتهم ذات الأغلبية المسلمة، ويتقاسمون مع أبناء وطنهم من المسلمين الأرض والتاريخ واللغة والثقافة والحاضر والمستقبل. ولهذا نحن ننادي بأن يبقوا في مجتمعاتهم وأن يقوموا بدورهم لمصلحة كل المجتمع.

ما هي خطط الفاتيكان لحماية مسيحيي الشرق الأوسط؟

على المستوى الدبلوماسي، هناك البعثات المعتمدة لدى الكرسي الرسولي ولدينا قاصد رسولي في كثير من البلدان. ثم إن هناك زيارات متبادلة، وعلى سبيل المثال كنت مؤخرا في باكستان ومصر وإندونيسيا وغيرها من البلدان، وفي جميع هذه الزيارات أبديت دائما اهتماما كبيرا للكاثوليك والمسيحيين.

وعموما يجب تجنب التمييز لأي سبب من الأسباب وخاصة الدينية منها، وهناك بلدان وللأسف لا يمكن فيها لمسيحي أن يشغل منصب وزير، ولذلك نحن نقول يجب تحديد هوية المسيحي الوطنية.

وماذا عن وضعية المسيحيين تحت الاحتلال، وخاصة في فلسطين والعراق؟

أنا قلت دوماً إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو أم كل الأزمات، وفي هذه القضية نحن نرجع إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وكما أشرت سابقا هناك العمل المتواضع لكنه فاعل لدبلوماسية الفاتيكان.

لدينا البعثة البابوية في القدس والقاصد الرسولي في بغداد، ثم إن جميعنا يعمل في مجال الأعمال الخيرية والتربوية الكاثوليكية العديدة مثل بناء العيادات والمستشفيات والمدارس والجامعات. ونشير إلى أن هذه المرافق مفتوحة للكاثوليك للمسيحيين من جميع الطوائف، وكذلك للمسلمين.

 ولكن تصريحات البابا بنديكت السادس عشر أثارت أكثر من مرة غضب الشارع العربي. والبعض يرى الآن أنه غير صالح للحوار؟

هذا الأمر يدهشني، لأن البابا عمل باجتهاد من أجل حوار نوعي بين الديانات والحوار حاضر دائماً في تعليماته. كما أن الخطاب الذي ألقاه هذا العام أمام البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى حاضرة الفاتيكان ثبت ذلك. ثم إن الكل يعلم أن الكرسي الرسولي له صداقات مع الجميع وليس له أعداء.

هل تعتبرون أن محاوريكم من المسلمين أهل للحوار؟

بالطبع هناك شخصيات من الدول التي بها الأغلبية المسلمة وأخرى من أوروبا والولايات المتحدة، وهي كلها شخصيات ذات كفاءة عالية جداً ولنا معها علاقات قوية.

يلاحظ أن تخصصك هو في الحوار مع المسلمين والبوذيين والهندوس ولكن ليس مع اليهود؟

المجلس البابوي للحوار بين الأديان يعزز الحوار مع جميع الأديان إلا اليهودية، لأنها من مسؤولية المجلس البابوي لتعزيز الوحدة المسيحية، وذلك لأسباب تاريخية لا أكثر.

لكن الكنيسة تكن مكانة خاصة لليهود؟

الأسباب لاهوتية وليست سياسية، لدينا علاقة خاصة مع الديانة اليهودية لأن العهد الجديد (أي الإنجيل) يرتبط بالعهد القديم (التوراة). ثم إنه من الطبيعي أن يكون للمسيحية علاقة خاصة بالديانة اليهودية لأن المسيحية تأتي بعدها.

لكن الحوار مع المسلمين له أهميته الخاصة في تفكير وفي نشاطات المجلس البابوي للحوار بين الأديان، وهناك لجنة خاصة للعلاقات الدينية مع المسلمين دون الديانات الشرقية أو التقليدية الأخرى.

والآن علينا أن نُفعل أكثر فأكثر من أجل حوار ثلاثي بين الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام.

منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 أخذت العلاقة بين الغرب والعالم العربي شكل الصراع بين الحضارات انطلاقا من مفهوم الغرب "الإرهاب الإسلامي" ، ما رأيك؟

لا دخل لنا بـأحداث 11 سبتمبر/ أيلول ، فالإرهاب باسم ديانة لا يعود بالضرر إلا على تلك الديانة. وتلك الهجمات عادت بالضرر على الإسلام نفسه، فهي هجمات ضد المسلمين والإسلام مجروح، وعندما تقتل المسيحيين تقتل المسلمين أيضاً. ولذلك يتعين على القيادات الدينية أن تأخذ موقفاً من تلك الظاهرة البغيضة.

لقد أعجبتني جداً التصريحات التي أصدرها زعماء دين مسلمون في فرنسا بعد الهجوم على كنيسة العراق وكنيسة الإسكندرية في مصر، إذ قالوا  عندما يُقتل المسيحيون يقتل معهم المسلمون.

وفي سياق العنف باسم الدين، أذكر بشكل خاص الوفاة المأساوية للمطران راهو في العراق والمطران بادوفيزي في تركيا، ورغم ذلك أقول لا ينبغي أن توقف الحوار بل يجب تكثيفه.

وماذا عن مسلمي الغرب؟

إنهم في وضع حساس جداً لأنه ينظر إليهم بصورة سيئة. عليهم أن يعرفوا كيف يثبتوا أنفسهم وأن يتحلوا بالإرادة الحسنة والصبر.

كنت مستشاراً في لبنان بين أعوام 1979-1983، ماذا تعلمت؟

نعم، في لبنان حيث تلتقي كل الديانات والطوائف، تعلمت كل شيء عن الشرق الأوسط، تاريخ الأمس وتاريخ اليوم والتعايش ما بين الطوائف.

إنه بلدٌ ذو سلطة، ديمقراطي يعيش فيه المسيحيون إلى جانب المسلمين والدروز، وما أدهشني في ذلك البلد هو الإرادة القوية في الحياة، فقد كنت أراهم بعد الانفجارات أيام الحرب يرتدون ملابسهم الأنيقة ويخرجون. كنت أسألهم كيف يمكنكم أن تفعلوا ذلك؟ فكانوا يردون: إن لم نفعل بهذا الشكل فلن نعيش.

أما الانقسام ما بين المسيحيين فهذا يرجع إلى العقلية في لبنان حيث يغلب الطابع الإقطاعي.

ماذا يمكن للمسيحيين والمسلمين أن يتعلموا من بعضهم البعض؟

نحن المسيحيين يمكننا أن نتعلم من المسلمين الشعور بالحاجة القوية للدين الذي نراه بعزيمة المسلم بالصوم في شهر رمضان. بينما يمكن للمسلم أن يتعلم من المسيحي علاقته الحميمة مع الله. الله بالنسبة للمسلمين هو الخالق أما بالنسبة للمسيحيين فهو الأب والصديق. كما يمكنهم أن يتعلموا منا التمييز بين الدين والعلمانية.

في نهاية هذا اللقاء ماذا تحب أن تقول للمسلمين؟

أريد أن أؤكد للمسلمين على ما قاله المجمع الفاتيكاني الثاني حول علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية، وفي هذه الفقرة علاقته مع الإسلام "تنظر الكنيسة بعين التقدير أيضًا إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد، الحيَّ القيّوم، الرحمن القدير خالق السماء والأرض".

ويضيف المجمع الفاتيكاني "وإن نشأت على مر القرون خلافات وأعمال عدائية ليس بقليلة بين المسيحيين والمسلمين، فإن هذا المجمع الكنسي المقدس يناشد الجميع نسيان الماضي والعمل بإخلاص من أجل التفاهم المتبادل والدفاع وتعزيز العدالة الاجتماعية، والقيم الأخلاقية والسلام والحرية لكل البشر". المجمع المسكوني الثاني (رقم 3).

المصدر : الجزيرة