ناصر العويني قال إنه عانى كثيرا من ظلم النظام التونسي السابق (الجزيرة نت)

ماهر خليل-تونس

الساعة تشير إلى الثامنة مساء بتوقيت تونس من يوم 14 يناير/كانون الثاني الجاري، كل التونسيين كانوا قابعين أمام أجهزة التلفزيون بانتظار حدث هام جدا سيعلن عنه بعد وقت قصير، حدث ارتجفت لإعلانه القلوب ودمعت لسماعه الأعين، ليس ذعرا وهلعا وإنما فرحا وسرورا.

في تلك الليلة المشهودة، كان ناصر العويني -وهو محام شاب- كغيره من التونسيين يتابع أهم خبر يذاع على شاشة التلفزيون الرسمي منذ عشرات السنين، وهو "الرئيس زين العابدين بن علي غادر البلاد فارا إلى وجهة غير معلومة".

يروي العويني للجزيرة نت أنه أجهش بالبكاء لدى سماع النبأ الذي انتظره طويلا، وأن مشاعر اختلجت بوجدانه في تلك اللحظات، أدخلته في حالة فرح هستيري جعله يقدم على تصرف حوّله إلى أحد أبرز رموز ثورة الشعب التونسي التي سماها هو نفسه "ثورة قوى الخير ضد قوى الشر".

"
ظل العويني يردد ما يختلج في صدره حتى بح صوته ولم يعد يقوى على الكلام، عندها اقترب منه أحد الجنود المرابطين في الشارع وطلب منه بكل أدب المغادرة لأن البلاد في حالة طوارئ
"

وقال المحامي الشاب إنه نزل من شقته الكائنة في نهج باش حانبة المحاذي لشارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة التونسية، غير مكترث بحظر التجول الليلي، ومطلقا العنان لحنجرته التي باحت بكلمات اختزلت سنوات من القهر والقمع والظلم الذي سلط عليه بشكل خاص وعلى عموم التونسيين بشكل عام في زمن الرئيس المخلوع بن علي.

وأضاف أنه توجه في تلك الليلة إلى وسط الشارع المقفر من المارة وبدأ يصيح بأعلى صوته "بن علي هرب.. بن علي هرب"، في مشهد كأنما حاول من خلاله محاكاة الجماهير التي خرجت في مظاهرة مليونية في الشارع ذاته قبل سويعات تنادي برحيل الرئيس بن علي.

تصوير
وقال العويني إنه من شدة تأثره بما كان يردده، نزل أحد السكان لتصويره بكاميرا هاتفه الجوال، كما بينت لقطات فيديو أخرى نشرت لاحقا على موقع فيسبوك وتناقلتها أغلب المحطات التلفزيونية العالمية أن سكانا آخرين صوروه من شققهم المطلة على الشارع.

هذه اللقطات التي نصبت العويني رمزا لثورة تونس، أظهرته وهو يردد بصوت عال وبلهجة تونسية "يا توانسة يلي غبنوكم.. يا توانسة يلّي عذبوكم.. يا توانسة يلّي قهروكم.. يا توانسة يلّي سرقوكم.. تنفسوا الحرية.. شعب تونس هدالنا الحرية.. يحيا شعب تونس.. تحيا تونس العظيمة.. المجد للشهداء".

وقال أيضا "يا توانسة ما عادش خوف.. المجرم هرب.. بن علي هرب.. شعب تونس حر.. الشعب هو اللي يحكم.. يا شعبنا يا عظيم.. يا شعبنا يا باهي.. يا شعبنا يا غالي.. تنفس الحرية.. العظمة لتونس.. البقاء للشعب التونسي.. رانا تحررنا، وبن علي هرب.. هرب".

وقال محدثنا إنه ظل يردد ما يختلج في صدره قرابة الأربعين دقيقة حتى بُح صوته ولم يعد يقوى على الكلام، عندها اقترب منه أحد الجنود المرابطين في الشارع وطلب منه بكل أدب المغادرة لأن البلاد في حالة طوارئ.

من المظاهرات التونسية المتواصلة (الفرنسية) 
تاريخ نضالي
وعن تاريخه النضالي، قال الناصر وهو من مواليد بلدة بئر علي بن خليفة من ولاية صفاقس جنوبي تونس، إنه بدأ كناشط سياسي في الاتحاد العام لطلبة تونس عندما كان طالبا في تسعينيات القرن الماضي بكلية الحقوق في تونس.

وأضاف أنه عانى في تلك الفترة الأمرّين من نظام بن علي الذي لفق ضده تهما كلفته السجن تسعة أشهر عام 1999، "ولم يكتف جلادو بن علي بذلك، بل واصلوا مطاردتي وانتهاك حرمة حياتي الشخصية.. تصور أني كنت أسمع طرفا ثالثا يتابع كل مكالماتي الهاتفية، وأني بقيت أربع سنوات بلا بطاقة شخصية حتى لا يعرف مكان إقامتي وأتجنب مضايقاتهم اليومية".

وعن الثورة الشعبية التي شهدتها تونس، قال العويني إنه كان "يشتم انهيار النظام قبل أسابيع من وقوعه، وجثة النظام كانت تتعفن يوما بعد آخر، وقد أظهرت القطيعة بينه وبين الشعب مؤشرات توحي بالعد التنازلي لحكم الطاغية وزبانيته".

المصدر : الجزيرة