الحكومة تراجعت عن رفع أسعار المواد الغذائية الأساسية (الجزيرة)

هشام موفق-الجزائر
 
لم يمض يوم واحد على نشر الجريدة الرسمية الجزائرية لقانون المالية للعام 2011 يوم 4 يناير/ كانون الثاني، حتى انفجر الشارع الجزائري "احتجاجا على رفع أسعار المواد الغذائية الأساسية" كالسكر وزيت الطعام.
 
فقد عرف مساء الأربعاء الخامس من الشهر الحالي تفجر أكبر مظاهرات احتجاجية اجتاحت البلاد منذ تلك التي نظمتها تنسيقية العروش –ذات التوجه الأمازيغي- عام 2001.
 
وتضمن قانون المالية هذا إجراءات جديدة "تهدف إلى تطهير المعاملات التجارية ومحاولة السيطرة على السوق السوداء والتصدي للمتهربين من دفع الضرائب".
 
ولتحقيق ذلك يلزم المستوردون وتجار الجملة بالتعامل بالصكوك البنكية والفواتير في المعاملات التجارية التي تفوق قيمتها خمسمائة ألف دينار جزائري (حوالي 6500 دولار) ويبدأ تطبيقه ابتداء من 31 مارس/ آذار القادم.
 
لكن يبدو –برأي مراقبين- أن الحكومة قد "اصطدمت بشركات قوية تحتكر الأسواق الموازية الغذائية الأساسية".
 
ووفق مصالح الضرائب فإن حجم العمليات التجارية بدون فوترة بين 2001 و2005 يعادل 35 مليار د.ج سنويا (450 مليون دولار) إلا أن هناك من يعتبر أن هذا الرقم غير دقيق.
 
وسمح مسح خاص للأسواق الفوضوية الموازية بكل البلاد سنتي 2000 و2001 بوجود سبعمائة سوق فوضوية ينشط بها أكثر من مائة ألف شخص.
 
بوكروح: الشركات التي تحتكر الأسواق الموازية الغذائية الأساسية قوية (الجزيرة نت)
تحريك الشارع
ويرى الكاتب الاقتصادي عبد الوهاب بوكروح أن "سطوة القطاع الموازي واللوبيات كانت أقوى في مواجهة قرارات الحكومة، وتبين أن الشركات التي تحتكر الأسواق الموازية الغذائية الأساسية قوية جدا".
 
وأضاف للجزيرة نت "هذه اللوبيات تمكنت من تحريك الشارع عن طريق المضاربة بأسعار المواد الأساسية".
 
وفي خضم هذه الاحتجاجات، أعلنت الحكومة عن خفض بأسعار المواد الأولية كالزيت والسكر بنسبة 41%، كما أعلنت إلغاء الرسوم والضرائب على زيت المائدة والسكر "كإجراء مؤقت" حتى 31 أغسطس/ آب المقبل، أي إلى نهاية رمضان القادم.
 
وصرح مسؤول بوزارة التجارة أن الإجراءات التي أعلنت عنها الحكومة لدعم أسعار السكر وزيت المائدة حوالي ثلاثين مليار د.ج (حوالي 390 مليون دولار).
 
وقال مستشار وزير التجارة المكلف بالاتصال فاروق تيفور "التدخل الفوري للدولة لتخفيض أسعار مخزونات السكر والزيوت الغذائية سيكلف الخزينة العمومية حوالي ثلاثة مليارات د.ج (نحو 39 مليون دولار).
 
في حين أن الإعفاء الجمركي والجبائي الذي سيسجل ابتداء من منتصف فبراير/ شباط سيكلف الدولة خسارة مالية تقارب 23 مليار د.ج (حوالي ثلاثمائة مليون دولار) وفق ما جاء في موقع الإذاعة الجزائرية".
 
الاحتجاجات استمرت خمسة أيام ثم توقفت (الجزيرة)
تراجع الاحتجاجات
وربط مراقبون بين هذا الإعلان وانحسار حجم الاحتجاجات في الولايات، إلى أن توقفت نهائيا بعد خمس ليال من المواجهات بين الشرطة والشباب الغاضب.
 
ووفق بوكروح فإن عودة الحكومة عن قراراتها "تمثلت في محاولتها إظهار نيتها الحسنة في الحفاظ على القدرة الشرائية للفئات محدودة الدخل".
 
وأضاف "الذي نعيبه على الحكومة هو أن مكافحة التضخم لا تتم على حساب الخزينة العمومية، ولكن يجب أن تقتنع الحكومة بالذهاب إلى اقتصاد سوق حقيقي يقوم على المنافسة الشريفة ومكافحة الاحتكارات التي ظهرت في السنوات العشر الماضية".
 
من جانبه، يرى الكاتب السياسي عبد العالي رزاقي أن "عدم تحكم السلطة في السوق الموازية أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية بسبب المضاربة في الأسعار، وكانت الخطوة التي حركت عربة الانفجار".
 
وأضاف في مقال نشرته الجزيرة نت أن المفارقة تكمن في أن "السلطة تراجعت عن قراراتها، وأعطت شرعية للتهرب الضريبي، ومنحت للشارع سلطة تغيير القانون دون العودة إلى البرلمان".
 
ويرجع متابعون تعليق الحكومة تحصيل الرسوم والضرائب حتى 31 أغسطس/ آب القادم إلى أن الجزائر تشهد -على غرار العالم الإسلامي- ارتفاعا بمعدلات التضخم قبيل شهر الصيام، لذلك "فالجزائر تريد ضمان نوع من الاستقرار في أسعار المواد الغذائية خلال هذه الفترة الحرجة من السنة".
 
"
تعليق الحكومة الجزائرية تحصيل الضرائب حتى 31 أغسطس/آب القادم يرجع إلى الرغبة في ضمان نوع من الاستقرار في أسعار المواد الغذائية قبيل شهر رمضان
"
الأسواق الموازية
وتاريخيا، فقد نشأ القطاع الموازي بالجزائر على أعقاب احتكار الدولة للتجارة الخارجية منذ 1970، نتيجة الخلل الكبير بين العرض الإجمالي والطلب الإجمالي، حيث نتج عن اقتصاد الندرة إلى بروز السوق الموازي.
 
ويرى الكاتب عبد المجيد بوزيدي أن الأسواق الموازية كانت مقبولة حينها من أجل "تمكين شريحة واسعة من العاطلين من الحصول على دخل، وتمكين العائلات من الحصول على سلع وخدمات تحتاجها غير موجودة في السوق الرسمية".
 
غير أن هؤلاء الوسطاء أصبحوا يتحكمون بالفعل بالقطاع الموازي وخاصة في القطاعات الغذائية الأساسية الأربعة وهي: البقول الجافة (كالحمص والأرز واللوبياء والعدس)، واللحوم (البيضاء والحمراء والأسماك)، والزيوت الغذائية، والسكر.
 
وتجلت هذه السيطرة منذ حوالي عشر سنوات بخروج الدولة نهائيا من هذا القطاع، ووفق تقديرات، فإن القطاع الموازي أصبح يمثل أكثر من 40% من الاقتصاد الوطني.
 
ويرى مراقبون أنه "من المستحيل لهؤلاء قبول استعمال الصك أو الحوالة في جميع العمليات التجارية، لأن استعمال الصك يعني إلزام المضاربين والوسطاء والتجار بالإفصاح عن هويتهم الحقيقية وهو ما يمكن مصالح الضرائب من المراقبة الفعلية لنشاطات القطاع الموازي".

المصدر : الجزيرة