الطيب عكاشة قرب بيت جده الذي بني في جوبا بداية القرن الماضي

محمد أعماري-جوبا

لا يجد أفراد عائلة عكاشة، الذين يعدون بالعشرات، أنفسهم معنيين كثيرا بنتيجة استفتاء تقرير مصير جنوب السودان الذي سينظم بعد نحو ثلاثة أشهر، لأن هناك نتيجة اجتماعية حققها أسلاف العائلة منذ نحو قرن من الزمن، وتلك في نظرهم هي "الوحدة الحقيقية الجاذبة" للسودانيين شمالييهم وجنوبييهم.
 
فهذه العائلة -ذات الأصول الشمالية- امتزجت دماؤها وجيناتها بدماء وجينات جنوبية إلى درجة يستحيل معها أن تقول عن أحد أفرادها إنه شمالي أو جنوبي، بل منهم من يرفض هذا التصنيف ويكتفي بالقول إنه سوداني.
 
في بيتهم العتيق -الذي يقع في حي سوق جوبا- حكى الطيب يوسف عكاشة باقتضاب للجزيرة نت تاريخ العائلة بدءا من وصول جده عكاشة محمد أحمد عبد العزيز كوراك إلى جنوب السودان في بداية القرن الماضي، وفي ركن من البيت لا تزال بعض الجدران التي بنيت منذ ذلك التاريخ تحكي قصة العائلة وعراقة العلاقات بين شمال السودان وجنوبه.
 
إبراهيم عكاشة: هذه الوحدة التي يتبجح بها السياسيون نحن حققناها بلا ضجيج
علاقات وطيدة
وحسب الطيب يوسف عكاشة، فإن جده اشتغل بالتجارة وتنقل بين عدة مدن ومناطق في جنوب السودان، قبل أن يستقر في مدينة جوبا ويتزوج امرأة جنوبية من قبيلة الباريا، التي تقول بعض الروايات إنها قبيلة ذات أصول إثيوبية، ثم التحق به بعد ذلك إخوانه أحمد ثم محمد ثم مصطفى، إثر توسعه في العمل التجاري وحاجته إلى من يساعده.
 
ويضيف الطيب "عائلتنا نسجت علاقات وشيجة بين الشمال والجنوب وتحدت السياسة والسياسيين، ووحدت السودانيين بالعلاقات الاجتماعية المبنية على الثوابت الراسخة التي لا يستطيع أحد أن يزعزعها".
 
ولكي يؤكد أن هذه الوحدة تتعدى أفراد العائلة إلى من سواهم يقول "هؤلاء الجنوبيون الذين وجدتهم خارج البيت يجلسون يوميا قرب محلي التجاري ونشرب القهوة والشاي ونتداول في جميع أمور الحياة، وتسود بيننا الأخوة والمحبة".
 
ياسر، أحد أبناء عكاشة من زوجته الجنوبية، ويفوق عمره الستين، يؤكد أنه ليس له دخل في الاستفتاء وأن النتيجة لا تهمه، وبنبرة المستخف بالسياسة يقول "سأذهب إلى الخرطوم متى شئت وأعود منها متى شئت، سواء انفصل الجنوب أو بقي مع الشمال في دولة واحدة، نحن شعب واحد".
 
أما إبراهيم -وهو أيضا من أبناء عكاشة محمد أحمد- فتحدث بفخر قائلا "هذه الوحدة التي يتبجح بها السياسيون نحن حققناها بلا ضجيج، باختصار نحن الوحدة، والشعب أصلا لم يكن له أي ضلوع في هذه الأزمة، فقد رحب بنا إخواننا الجنوبيون ونتعامل مع بعضنا بغض النظر عن السياسة أو الجغرافيا، ولو حصل انفصال من الغد فلا مشكلة لدينا".
 
أمين عكاشة يعد من أكبر المستثمرين في جنوب السودان
جزء لا يتجزأ
وليست دماء عائلة عكاشة ولا جيناتها هي وحدها التي اختلطت بدماء وجينات الجنوبيين، بل إن أموالها بدورها اختلطت بأموال الجنوبيين، وصارت الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية التي يديرها أبناؤها جزءا لا يتجزأ من اقتصاد جنوب السودان.
 
فأمين، أحد أبناء عكاشة، يعد من أكبر المستثمرين في الجنوب، ويدير مشاريع كثيرة في مختلف المجالات بدءا من المشاريع السياحية والفنادق، مرورا بقطاع الطيران وقطاع البناء، ووصولا إلى قطاعات أخرى متعددة استثمر فيها ملايين الدولارات.
 
ويقول أمين عكاشة إن مدينة جوبا شهدت في أغسطس/آب عام 2005 أحداثا دامية، تم خلالها حرق العديد من المؤسسات والشركات والمحلات التجارية، إلا أن شركاته لم تتعرض لأي سوء، وأرجع ذلك إلى تجذر أسرته وسط الجنوب وكسبها ثقة أبنائه.
 
"فطائراتنا -يقول أمين- تنقل المرضى الجنوبيين مجانا إلى الخرطوم، وتنقل مجانا أيضا جثث من مات من الجنوبيين في الشمال لتعيدها إلى أهليهم في الجنوب، إضافة إلى أننا أصبحنا جزءا لا يتجزأ من الجنوب".
 
فبعيدا عن صخب السياسة وتراشق أهلها، استطاعت أسرة عكاشة -وأسر أخرى غيرها كثيرة- أن تحقق التواصل بين شمال السودان وجنوبه، وأن تبني وحدة لا تزعزعها رياح التيارات السياسية، لأنها وحدة مصاهرة وكذلك وحدة "ملح وعيش".

المصدر : الجزيرة