"عربي جوبا" هي وسيلة التواصل الغالبة في جوبا (الجزيرة نت)

شاهر الأحمد-جوبا

المتجول في شوارع مدينة جوبا، عاصمة إقليم جنوب السودان، يلمس أن معظم الناس يتحدثون لهجة مشتركة ذات لكنة خاصة بين أفراد ينحدرون من قبائل متعددة، وعند التدقيق فيما يتحدث به الناس تلمس أن المفردات المستخدمة عربية في الغالب، لكنها تختلف عن تلك المتداولة في مدن السودان الشمالية، إنها لهجة "عربي جوبا".

وعربية جوبا يصنفها اللغويون على أنها لهجة هجينة تكونت من امتزاج اللغات الأفريقية المحلية واللغة العربية في جنوب السودان منذ القرن التاسع عشر إبان الحكم التركي المصري للسودان. وبما أن جوبا -وهي كبرى مدن جنوب السودان- كانت مكانا لتشكل هذه اللهجة فقد اقترن بها اسمها.

وأصبحت هذه اللهجة منذ ذلك التاريخ واحدة من اللهجات السودانية المتعددة -حسب الدكتور بول دينق شول صاحب كتاب "لهجة جوبا العربية"، الذي يعده المتخصصون مرجعاً في هذا المجال- وتتكون من جملة من الأصوات الساكنة والمتحركة.

"
الدارج في المحادثة بين الناس في جوبا بمن فيهم المتعلمون هو لهجة "عربي جوبا"، وأن قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي تقود حكومة الجنوب، يحرصون على تعلم العربية للتواصل مع أفراد الحركة وأبناء المجتمع الجنوبي

الدكتور بول دينق شول
"

ويضيف شول -وهو أستاذ اللغة العربية ومدير جامعة أعالي النيل بمدينة ملكال الجنوبية- أن لهجة "عربي جوبا" تطابق العربية الفصحى في بعض مخارج الحروف والأصوات، وتختلف معها في البعض الآخر، مشيرا إلى أن العربية دخلت جنوبي السودان -بصورة تلقائية وبدون تخطيط لغوي- عبر عدد من الوسائط كالتجار الشماليين وأهل الشام والمصريين وجنود الحكم التركي.

وأوضح أن هذه اللهجة تأثرت كثيرا بأصوات لغة قبيلة الباريا الجنوبية، وببنائها الصرفي، كما أنها لا تلتزم بالإعراب وأداة التعريف (ال).

تطور اللهجة
وأشار الأكاديمي السوداني الجنوبي إلى أنه بعد خروج المستعمر الإنجليزي -الذي كان يعزل جنوب السودان عن شماله- زاد دخول أهل الشمال إلى الجنوب، فتطورت عربية جوبا بإضافة مفردات عديدة، وتعززت وتحسنت بعد أن فتحت الحكومة السودانية مدارس في الجنوب تدرس فيها اللغة العربية.

وأعرب شول في حديث هاتفي للجزيرة نت عن عدم خشيته على مستقبل لهجة "عربي جوبا" في الجنوب، حتى لو أدى الاستفتاء المزمع في يناير/كانون الثاني المقبل إلى الانفصال. وعزا ذلك إلى أن الروابط وأنماط التعامل بين الجنوب والشمال ستتواصل نظرا إلى أن في الجنوب لهجات ولغات مختلفة تزيد عن الخمسين، وليس هناك من لغة تجمع سوى العربية.

وعند سؤاله عن مدى تأثير اعتماد الحكومة المحلية في جنوب السودان اللغة الإنجليزية لغة رسمية أولى في التعاملات ولغة أولى للتعليم، رأى شول أنه "رغم هذا التوجه الرسمي فإن استخدام الإنجليزية ما زال محصورا في الدوائر الرسمية الضيقة وفي إطار المتعلمين، وخاصة أولئك الذين درسوا في جامعات أجنبية".

وأكد أن الدارج في المحادثة بين الناس في جوبا بمن فيهم المتعلمون هو لهجة "عربي جوبا"، وأن قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي تقود حكومة الجنوب، يحرصون على تعلم العربية للتواصل مع أفراد الحركة وأبناء المجتمع الجنوبي.

 محمد الأمين علي: "عربي جوبا" عنوان لثقافة المجتمع الجنوبي (الجزيرة نت) 
لهجة متجذرة
ومن جانبه أكد عميد كلية الفنون في جامعة جوبا البروفيسور محمد الأمين علي، تجذر لهجة جوبا في المجتمع، متفقا مع ما ذهب إليه زميله شول، ولافتا إلى أن هذه اللهجة رابط متين بين الناس الذين يقطنون جوبا، وأنها تعززت بعد جلاء الاستعمار الإنجليزي عن السودان.

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن الكثير من الفنون الجنوبية -سواء على مستوى الأغنية أو المسرح- تقدم بلهجة جوبا، حتى باتت هذه اللهجة عنوانا لثقافة المجتمع الجنوبي، ولفت إلى وجود إذاعة وتلفاز في جوبا يبثان برامجها باللهجة الجنوبية.

تذكير وتأنيث
واعتبر جمعة سعيد -وهو مثقف من جنوب السودان- أن أهم ما يميز لهجة عربي جوبا "الضاربة بأطنابها في المنطقة" هو غلبة التذكير على التأنيث في المخاطبة، وذلك عكس لهجة أهل ولاية بحر الغزال الجنوبية التي يغلب فيها التأنيث.

المصدر : الجزيرة