طلاب مصر درسوا تاريخ بلادهم معدلا مرات عدة منذ اتفاقية توقيع كامب ديفد (الجزيرة- أرشيف)

محمود جمعة-القاهرة 
 

انتقد برلمانيون وخبراء تربويون قرار الحكومة المصرية بتغيير منهاج التاريخ في التعليم المدرسي واعتبروه حلقة في سلسلة "الانحناء" أمام السياسات الصهيونية الأميركية وطمس الهوية الإسلامية لمصر، ورأى المنتقدون أن أحد أهداف هذا التغيير هو التصدي للدور التركي في المنطقة ومحاولة تحجيم هذا الدور.


وكان واضعو مناهج التاريخ في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية قد استبدلوا مصطلح "الدولة الأموية" بمصطلح "الدولة الإسلامية"، ووضعوا مصطلح "الغزو العثماني لمصر" بدلا من مصطلح "الفتح العثماني لمصر"، والذي كان معمولا به في مناهج التعليم المصري لعشرات السنين.

واعتبر أستاذ أصول التربية بجامعة الإسكندرية شبل بدران أن هذا التغيير الذي طرأ على المناهج التعليمية لا يمت بصلة للتربية أو للتعليم وإنما هو تغيير بدوافع سياسية، مرجحا أن يكون الهدف هو السعي لتحجيم الدور التركي المتصاعد في المنطقة والذي ينافس الدور المصري بل وتفوق عليه، حسب قوله.

وأضاف بدران للجزيرة نت أن هذا التغيير يريد إعطاء إيحاءات بأن تركيا صاحبة الدور المتنامي حاليا هي دولة غازية ذات مرجعية استعمارية. وقال بدران إنه إذا كان الهدف تحجيم دور تركيا فإن ما تفعله وزارة التربية والتعليم المصرية "لن يفلح في تحقيق ذلك".

النائب حمدي حسن اتهم الحكومة بالتواطؤ مع إسرائيل والإدارة الأميركية (الجزيرة نت-أرشيف)
تشويه متعمد
وذكر بدران بما سبق أن قامت به الحكومة المصرية من تغيير للمناهج بعد توقيع اتفاقية كامب ديفد حيث تم وضع كلمة "النزاع العربي الإسرائيلي" بدلا من "الصراع العربي الإسرائيلي"، وفي مرحلة لاحقة تحول إلى "النزاع الفلسطيني الإسرائيلي"، وبهذا يكون واضعو منهج التاريخ قد حكموا بالموت على البعد العربي للصراع، حسب قول بدران.

وبدوره قال النائب البرلماني عن جماعة الإخوان المسلمين حمدي حسن إن الحكومة المصرية "تواطأت مع الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية وأحنت إرادتها لهما وسعت إلى محو الهوية الإسلامية لمصر".

وشدد حسن في تصريح للجزيرة نت على أن هنالك "مخططا حكوميا لتشويه تاريخ مصر وزعمائها ورموزها"، وأن الحكومة بذلك تكرس ثقافة التراجع الذي يميز الحالة المصرية والدور المصري في الوقت الراهن، منوها إلى أن الحكومة المصرية الحالية على خلاف مع كل الدول تقريبا بما فيها الدول التي بدأت نهضتها بعد مصر بمئات السنين، حسب تعبيره.

عقلية بوليسية
من جهته يرى أستاذ النقد بكلية الآداب بجامعة عين شمس صلاح فضل أنه ليس من شأن الأجهزة الحكومية والوزارات أن تتدخل في طبيعة تكييف وتوصيف المراحل التاريخية، إنما هو عمل المؤرخين وفلاسفة الحضارات، مشيرا إلى أن وزارة التعليم المصرية لا تستعين بأي من هؤلاء في كتابة مناهج التاريخ.

"
التغيير الذي طرأ على المناهج التعليمية لا يمت بصلة للتربية أو للتعليم وإنما هو تغيير بدوافع سياسية 

شبل بدران
"

وأكد فضل للجزيرة نت أن مسألة المفاضلة بين المصطلحات مثل الفتح أو الغزو تخضع لمعايير علمية دقيقة، حيث يقترن الفتح دائما بالتحول الأيديولوجي وبالسمة الدينية، مشيرا إلى أن دخول العثمانيين إلى مصر كان نوعا من "الغزو" داخل المنظومة الإسلامية نفسها حيث لم يتطلب تغييرا في العقائد ولا تبديلا في الأيديولوجيات، بل كان مجرد حلول قوة غازية محل نظام سياسي سابق.

وخلص فضل -الذي يحمل أيضا عضوية مجمع اللغة العربية- إلى أن تغيير التصنيف من فتح إلى غزو هو لعب في المصطلحات لا مبرر له، حيث أن دخول العثمانيين إلى مصر لم يكن فتحا ولا ينبغي له أن يعد غزوا ترتب عليه تغيير في الملة أو اللغة أو الثقافة، إنما هو مجرد تغيير مركز السلطة والتبعية السياسية من عاصمة إلى أخرى.

وأكد الأكاديمي المصري على أنه ينبغي لوزير التعليم "الذي يتعامل بعقلية بوليسية مضحكة مع مشكلات التعليم"، أن يهتم بالقضايا الجوهرية التي تعوق التعليم في مصر وأولها مشكلة الكتب الخارجية، وإنهاء ظاهرة الدروس الخصوصية، قبل أن يركز على تغيير مصطلح هنا أو هناك.
وقال فضل إن اختيار الوزير جاء لأسباب سياسية وأمنية وليس لأسباب تتعلق بكفاءته وقدرته على إدارة منظومة التعليم في مصر.

المصدر : الجزيرة