النساء كسرن منذ العام 2002 الاحتكار الذكوري للتدريس بالكتاتيب (الألمانية)

عادت المدارس القرآنية لتضرب بقوة في تونس خلال السنوات القليلة الماضية، بعدما شارفت على الانقراض نتيجة محاربة ما كان يسمى التعليم التقليدي الذي لم يكن يتماشى ومشروع بناء دولة حديثة.
 
ويعتقد مهتمون بالشأن التونسي أن برنامج "إصلاح" المدارس القرآنية الذي شرعت الحكومة في تنفيذه منذ العام 2002 لعب دورا حاسما في "إعادة الاعتبار" لهذه المؤسسات التعليمية الدينية التي يطلق عليها في تونس اسم "الكتاتيب".
 
وتقع الكتاتيب داخل الجوامع أو الزوايا الخاضعة إداريا لوزارة الشؤون الدينية (الأوقاف). وقد أوكلت الحكومة مهام الإشراف الحصري على الكتاتيب إلى هذه الوزارة التي من بين مهامها الرسمية المعلنة "تطبيق سياسة الدولة في المجال الديني" و"درء أخطار الانغلاق والتطرف".
 
وحدد القانون السن الدنيا لقبول الأطفال بالكتاتيب بأربع سنوات والقصوى بخمس سنوات وهي سن "التعليم ما قبل المدرسي" التي يتم فيها إعداد الطفل لدخول المدرسة الابتدائية. وتتواصل الدراسة في الكتاتيب عامين اثنين لمن عمره أربع سنوات وعاما واحدا لمن عمره خمس سنوات.
 
ورغم انتشارها الكبير باتت الكتاتيب عاجزة عن الاستجابة لطلبات أولياء الأمور المتزايدة بتسجيل أبنائهم فيها لأن القانون لا يسمح بأكثر من 35 طفلا داخل الفصل الواحد بالكتاب، وهو ما دفع وزارة الشؤون الدينية إلى إصدار قرار بضرورة أن يكون "الكتّاب" من المكونات الأساسية لدور العبادة الجديدة المزمع بناؤها.
 
صحوة عقائدية
وأرجع مراقبون الإقبال المتزايد للتونسيين على تسجيل أبنائهم في الكتاتيب إلى تميّز خريجي هذه المؤسسات في مراحل التعليم اللاحقة وإلى "الصحوة العقائدية" التي يعيشها المجتمع التونسي بفعل تأثير القنوات الفضائية الدينية المشرقية والتي أججت رغبة الأولياء في تربية أبنائهم تربية إسلامية.
 
طفل يقرأ مصحفا خلال حصة بأحد كتاتيب تونس (الألمانية)
واقترحت الصحفية التونسية سارة حطاب التي درست ابنتيها في أحد الكتاتيب "تعميم" التدريس فيها، وقالت إن التعليم فيها ذو "جودة عالية" مقارنة ببقية مراحل التعليم قبل المدرسي في تونس.
 
وأضافت أن ابنتيها اللتين تتابعان الآن تعليمهما بتميّز في المدرسة الابتدائية "تستثمران حاليا المعارف التي اكتسبتاها في الكتاتيب وخاصة التمكن من قواعد اللغة العربية".
 
وفي إطار برنامج لإصلاحها أدخلت السلطات تغييرا جذريا على برنامج التدريس بالكتاتيب، إذ صار جامعًا بين التربية على الآداب الإسلامية وبين مواد أخرى "مدنية" تتناسب مع أعمار الأطفال مثل الكتابة والرسم والرياضة والتعبير الشفوي والمحفوظات والأناشيد.
 
معلمات واختلاط
وخلافا لبقية المدارس القرآنية في العالم الإسلامي، يدرس رواد الكتاتيب التونسية من الأطفال والفتيات في فصول مختلطة مثلما هو الشأن في مدارس وجامعات البلاد التي تحظى فيها المرأة بحقوق وحريات فريدة من نوعها في العالم العربي.
 
وكسرت النساء منذ العام 2002 الاحتكار الذكوري للتدريس بالكتاتيب، إذ التحقت بالمدارس القرآنية خلال هذا العام أول دفعة من المؤدبات (المعلمات) ضمن أول مجموعة من المؤدبين الحاصلين على درجة الأستاذية في العلوم الإسلامية من الجامعة الزيتونية الإسلامية التونسية الشهيرة.
 
وأضافت أن كثيرا من الأولياء صاروا يفضلون إرسال صغارهم إلى كتّاب تشرف عليه مؤدبة عوضا عن مؤدب لأن "المؤدبة تضطلع بدور الأم والمربّية في نفس الوقت".
 
وتعتبر مهنة المؤدب بالكتاتيب التونسية مهنة مربحة نسبيا مقارنة بمهنة المدرسين بالمدارس الابتدائية والثانوية، إذ يمكن أن يتجاوز دخل المؤدب الواحد ألف دينار تونسي شهريا (نحو 800 دولار) وهو راتب يفوق ما يتقاضاه مدرسو التعليم الابتدائي والثانوي.

المصدر : الألمانية