غالبية التتار يعيشون ظروفا صعبة في القرى والمناطق النائية (الجزيرة نت-أرشيف)

محمد صفوان جولاق-كييف
 
تعهد رؤساء أوكرانيا مرارا خلال السنوات التي تلت استقلالها بإيجاد حلول لقضايا تتار إقليم شبه جزيرة القرم جنوبي البلاد، الذين عادوا إلى موطنهم من المهجر بعد الاستقلال في العام 1991، دون أن يفي أحد منهم بتعهداته.
 
وكان النظام السوفياتي قد قتل وهجر مئات الآلاف منهم في العام 1944 قسرا إلى دول شرقي آسيا وشمالي روسيا بدعوى ضعف الانتماء له، وصادر ودمر معظم أراضيهم وبيوتهم ومساجدهم ومؤسساتهم التعليمية والدينية.
 
ثم بدأ التتار بالعودة بعد الاستقلال ليبدأ بالمقابل مشوار المآسي المتعلق بصعوبات الحصول على الجنسية واستعادة الأراضي والبيوت المصادرة أو بناء غيرها، وكذلك استعادة وبناء وترميم المساجد والمدارس، التي دمرت أو حولت إلى مؤسسات حكومية، وهو مشوار لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا.
 
كما يعيش غالبية التتار ظروفا صعبة في القرى والمناطق النائية البعيدة عن المدن والخدمات، وذلك نتيجة ما خلفته سنوات الحقبة السوفياتية لهم من مآس بعد تهجيرهم ومصادرة أملاكهم، خاصة في المدن.
 
تقول ليلى مسلموفا الناطقة باسم مجلس شعب تتار القرم -وهو أبرز مؤسسة تتارية ذات طابع سياسي في أوكرانيا- للجزيرة نت إن التتار يشعرون بأنهم غرباء على أرضهم التي عاشوا فيها مئات السنين قبل التهجير، والسلطات لا تزال تتعامل معهم للأسف منذ الاستقلال كما لو كانوا دخلاء على المجتمع، ليس جزءا منه، حسب قولها.
 
ممانعة
بدوره يقول رفعت تشوباروف نائب رئيس المجلس إن البرلمان أقر على مدار السنوات الماضية عدة قوانين من شأنها حل قضايا التتار، خاصة فيما يتعلق بتسهيل العودة من المهجر، والحصول على الجنسية وأراض للزراعة وبناء البيوت، بدل تلك التي صودرت منهم أو دمرت.
 
لكنه أشار في حديثه للجزيرة نت إلى أن القوانين لم تدخل حيز التنفيذ، والسبب برأيه هو ممانعة سلطات الإقليم (نظام حكم فدرالي موال لروسيا) لهذه القوانين وعرقلتها حفاظا على المصلحة الروسية ومصالح الرعايا الروس الذين يشكلون أغلبية في الإقليم (40% من أصل 2.5 مليون نسمة، بينما تبلغ نسبة التتار 18%، ونسبة الأوكرانيين 30%).
 
"
من أبرز ما كلف به رئيس الوزراء تطبيق القرارات البرلمانية المتعلقة بتسهيل عودة التتار وحصولهم على الجنسية والتمتع بالمواطنة الكاملة، وتخصيص أراض تمنح لهم للعمل أو لبناء البيوت
"
تفاعل جديد
في المقابل تفاعل الرئيس الأوكراني الجديد فيكتور يانوكوفيتش مع هذه القضايا عقب لقائه عددا من القادة التتار خلال الأسبوع الماضي في القرم وكييف، حيث كلف رئيس الوزراء ميكولا آزاروف باتخاذ عدة إجراءات ضمن إطار حل لها، حتى بداية يناير/كانون الثاني المقبل.
 
ومن أبرز ما كلف به رئيس الوزراء تطبيق القرارات البرلمانية المتعلقة بتسهيل عودة التتار وحصولهم على الجنسية والتمتع بالمواطنة الكاملة، وتخصيص أراض تمنح لهم للعمل أو لبناء البيوت، بدل ظاهرة "وضع اليد" على الأراضي التي تعتبر سبيلهم للعيش في الإقليم.
 
كما كلفه بإعداد برنامج لترميم وإعادة تأهيل الآثار التاريخية والدينية والثقافية الخاصة بهم من مساجد ومدارس، وأمر بمنح صفة "الوطنية" لمدينة "بخش سراي" التاريخية، التي كانت عاصمة لولاية القرم التابعة لدولة الخلافة العثمانية.
 
وفي هذا الإطار أعلنت الحكومة أنها تعد برنامجا لبناء تجمعات سكنية أشبه بالضواحي، تهدف إلى تأمين بيوت سكنية للتتار، كما تعد برنامج قروض تعينهم على العمل والبناء أيضا.
 
شكوك تتارية
لكن التتار الذين رحبوا بتفاعل يانوكوفيتش وإعلان الحكومة شككوا بإمكانية أن يدخل الأمر حيز التنفيذ العملي، استنادا إلى تجاربهم الماضية مع الرؤساء السابقين.
 
ويقول رفعت تشوباروف "لم يعد التتار يكترثون بالوعود ويتفاعلون معها، فقد تعودوا عليها، خاصة عند الحاجة إلى أصواتهم الانتخابية". وأضاف أن "موالاة الرئيس والحكومة لروسيا تزيد من شكوك التتار إزاء الجدية فيما يتعلق بحلول لقضاياهم".
 
وقال "أدعو الرئيس ورئيس الوزراء إلى تحمل مسؤولياتهم واتخاذ خطوات عملية لتطبق الوعود على أرض الواقع، ووضع حل لقضية لا تزال مفتوحة، تتعلق بطبيعة حياة نصف مليون مواطن".

المصدر : الجزيرة