المنظمات الإنسانية الدولية تشرف على تقديم المساعدات لنازحي دارفور (الفرنسية-أرشيف) 

عماد عبد الهادي-الخرطوم

لم تمر إلا أيام قليلة على توجيه الرئيس السوداني عمر حسن البشير بطرد كل المخالفين من العاملين بالمنظمات الطوعية الأجنبية العاملة في إقليم دارفور، حتى بدأ تنفيذ القرار بشكل واسع كاشفا عن رغبة جامحة لبعض حكومات دارفور للتخلص من الوجود الأجنبي المتهم بعضه بمساعدة المتمردين وخلق مزيد من التوتر بالإقليم.

ووجد كثير من المنظمات الدولية نفسها أمام سيف مسلط على رقبتها ومهدد لوجود أفرادها، حيث وضعت أمام اتهامات قد يبدو بعضها حقيقيا خاصة فيما يتعلق بمساعدة المتمردين تارة وعدم احترامهم لسيادة السودان تارة أخرى.

وكانت ولاية غرب دارفور قد قررت في الخامس عشر من الشهر الجاري طرد ستة من موظفي منظمات العون الإنساني العاملة في الولاية بحجج متفاوتة.

فبينما طغت الاتهامات المتبادلة بين الحكومة وبعض هذه المنظمات على مبدأ الحوار الذي كان مؤملا إجراؤه بين الطرفين قبل اتخاذ قرار المفاصلة ومن ثم الطرد، توقع محللون سياسيون تدهورا جديدا للأوضاع الإنسانية ببعض المخيمات التي تعتمد اعتمادا مباشرا على العون الإنساني في ظل عدم تعاون بعض النازحين مع الحكومة.

صلاح الدومة:   شعور الحكومة بالأمن تجاه المجتمع الدولي في الفترة الحالية ربما يكون هو ما يدفعها للاستئساد على المنظمات الدولية وغيرها
"

إستراتيجية جديدة
في المقابل لم يستبعد المحللون وجود إستراتيجية ربما تستهدف الوجود الأجنبي غير المرغوب به، مشيرين إلى بروز عدة اتهامات حكومية لبعض المنظمات بتجاوز القانون واللوائح السودانية تنفيذا لمخططات أجنبية معادية.

فقد اعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة أم درمان الإسلامية صلاح الدومة أن شعور الحكومة بالأمن تجاه المجتمع الدولي في الفترة الحالية ربما يكون هو ما يدفعها للاستئساد على المنظمات الدولية وغيرها، مشيرا إلى ما أسماها بسياسة القط والفأر القائمة بين الخرطوم والوجود الأجنبي في البلاد.

وقال إن الحكومة تشعر الآن بأن الغرب بحاجة إليها فيما يتعلق باستفتاء الجنوب، وبالتالي ستتجه إلى إنجاز مهمة ترى أنها ذات فائدة بطرد كل المخالفين لتوجيهاتها من منظمات وأفراد من العاملين في المجال الإنساني بدارفور.

ولم يستبعد الدومة في حديثه للجزيرة نت وجود اتفاقيات سرية بين الحكومة والمجتمع الدولي لتصفية قضية دارفور، "لكن خلافهما سيكون في الكيفية والأسلوب الذي يراه كل طرف لتنفيذ هذه الخطة"، وتوقع أن تؤدي هذه الاتفاقات إلى مزيد من الضحايا، من بينها المنظمات والمواطنون الذين قال إنهم سيدفعون الثمن الحقيقي.

خاطر: طرد المنظمات يصب في باب توتير العلاقة بين السودان والمانحين (الجزيرة نت) 
علاقة تتأزم 
أما المحلل السياسي عبد الله آدم خاطر فاعتبر أن طرد المنظمات والعاملين سيكون أمرا مزعجا للحكومة وعبئا ثقيلا عليها في تعاملها مع المجتمع الدولي، مشيرا إلى أن ذلك سيصب في باب توتير العلاقة بين السودان والمانحين الذين يثقون في عمال الإغاثة والمنظمات أكثر من ثقتهم في بعض الحكومات.

وقال خاطر في تصريح للجزيرة نت إن مثل هذه القرارات دائما تضع الحكومة في موضع الاختبار في التعامل الإيجابي مع القضية، "مما يعني صدور قرارات دولية مناوئة للقرارات المحلية كرد فعل طبيعي".

من جهته، أشار الخبير في شؤون العمل الطوعي بالسودان صالح محمود إلى إمكانية تفاقم المشكلة بسبب طرد العاملين في مجال العون الإنساني، وتوقع تأزم الوضع الإنساني أكثر وزيادة في عدد الضحايا بالمخيمات والقرى.

 صالح محمود: ثلاثة ملايين شخص يحتاجون للعون والمساعدة اليومية (الجزيرة نت)
ملايين المحتاجين
وأكد في حديث للجزيرة نت أن هناك "نحو ثلاثة ملايين من المحتاجين للعون والمساعدة اليومية"، ولن يتأتى للحكومة الوفاء بأي التزام تجاههم لانعدام الثقة بين موظفيها وكثير من النازحين.

وقال محمود إن الإجراء الأحادي بطرد المنظمات أو العاملين فيها دون بحث الأمر مع الأمم المتحدة وبعثاتها وإخبارها بأسباب الطرد سيزيد من حدة معاناة المحتاجين ويدفع بحالة التوتر إلى الواجهة من جديد.

كما دعا الخبير إلى عدم ترك الحبل على الغارب للولاة لاتخاذ مثل هذه القرارات، لأنها من الأمور الخطيرة على الحكومة والمواطنين على حد سواء، حسب قوله.

وأكد أن قرار الطرد والإبعاد رغم مبررات الحكومة يؤثر في مسؤولية الدولة الوطنية، "لأنه سيدفع بعدد من التفسيرات والتساؤلات حول مغزاها وأهدافها".

المصدر : الجزيرة