ارتفعت نسبة التعامل مع إسرائيل في بلبنان إلى حدود غير مسبوقة، وتشير الأرقام الرسمية إلى بلوغها 150 موقوفا، مما دفع الصحفي في جريدة "النهار" راجح خوري إلى عنونة مقال له عن هذا الموضوع "دخلنا موسوعة غينيس للجواسيس".

ومعلوم أن لبنان شهد حروبا متتالية استطاعت إسرائيل خلالها التغلغل في الجسم اللبناني، كما أن تواصل الأحداث وما رافقها من تجاذبات سياسية انعكست انقسامات حادة، فتحولت مسألة التعامل إلى حالات جماعية، وأصبحت العمالة وجهة نظر مبررة وموقفا وطنيا لدى البعض.

ويعرض الباحث الإستراتيجي العميد المتقاعد هشام جابر للجزيرة نت نظرته إلى العمالة وأسبابها "بالحاجة المادية، والأيدولوجية، والتورط"، مضيفا أن طول الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة تسهل تسلل العملاء وتبادل الزيارات مع الأرض المحتلة.

وقال إن "إسرائيل وظفت عملاء من فئات مختلفة عندما كانت على تماس مع اللبنانيين في الجنوب"، شارحا عوامل انتشار هذه الظاهرة ومنها أن إسرائيل احتلت لبنان ٢٢ عاما، وكانت موجودة على تماس مع مناطقه، وتمكنت من التسلل إلى العديد من الأشخاص والبيوت، وأن تصل إلى كثيرين من صغار النفوس وتجندهم بما تملك من إمكانات مالية وتقنية.

جابر: السلطة تهاونت في موضوع العمالة
(الجزيرة نت)
يضاف إلى ذلك -والحديث لجابر- أن بعض المليشيات تدربت في إسرائيل منذ بداية الأحداث وخلالها، ففتح باب التواصل المباشر معها ومع أجهزتها الأمنية، لذا لا بد أن تكون قد وظفت أعدادا كبيرة منهم.

ورأى الباحث الإستراتيجي أن السلطة تهاونت في مسألة العمالة، ولم تعاقب أي عميل بأكثر من التوقيف قيد التحقيق، و"اليوم نسمع أول حكم بالإعدام بحق عميل" بعد ذلك الذي صدر بحق العميل أحمد الحلاق في تسعينيات القرن الماضي.
 
موقف حرج
وقال إنه "بعد حرب ٢٠٠٦ وجدت إسرائيل أن معلومات كثيرة تنقصها، مما وضعها في موقف حرج خلال الحرب. ولذلك ركزت جهودها على الساحة اللبنانية لتوظيف عملاء لجمع المعلومات بهدف معرفة ما يجري على صعيد الحكم وقادة المقاومة ومراكزها، والشخصيات التي تقيم علاقات معها".
 
وخلص إلى أن للحروب المتواصلة والعدوان الإسرائيلي المتكرر دورا كبيرا في إضعاف الشعور الوطني وخلق البيئة الخصبة للعمالة، خصوصا في فترة غياب الدولة وأجهزتها، مما ترك الجواسيس تسرح وتمرح في البلد دون وازع.

من جانبه يرد الباحث الاجتماعي الدكتور عاطف عطية مسألة العمالة إلى "حالة انقسام جعلت الناس يعيشون حسب أهوائهم الشخصية وحاجاتهم المالية، والكيدية والانتقام لجهة الخصومة السياسية والفكرية والعقائدية".
 
 عطية: النظرة السياسية تشكل الأرضية الخصبة للعمالة (الجزيرة نت)
جو عام
وقال عطية للجزيرة نت إن هذه المسألة هي حصيلة جو عام يعيشه لبنان، حيث صار البعض يدين الانتماء للعروبة أو الهوية القومية.

ورأى عطية أن البعض كانوا يقولون "لماذا التعامل مع سوريا مسموح ومع إسرائيل غير مسموح؟ أليستا دولتين غريبتين عن لبنان؟"، لافتا إلى أنهم يساوون بين الصديق والعدو لأنه سقطت عندهم فكرة العداء لإسرائيل، ويمضي إلى منطق لم نتعود عليه سابقا وهو أنه إذا كانت إسرائيل تنفع لبنان وسوريا تضره، فلماذا لا نكون مع إسرائيل؟".

وقال إنه من المؤسف الوصول إلى هذا المنطق الذي ساد لدى أوساط معينة في فئة لبنانية خلال الأحداث (بعض المسيحيين)، لكنه لم يعد مقتصرا على هذه الفئة بعد الأزمة التي عصفت بلبنان عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وخلص إلى القول إن هذه النظرة السياسية تشكل الأرضية الخصبة للعمالة وتسهلها، ولم تعد هذه المسألة موقفا أمنيا أو مخابراتيا، بل أصبحت وجهة نظر أيدولوجية وسياسية وثقافية، وهنا تكمن خطورتها.

المصدر : الجزيرة