الملك عبد الله (يمين) مستقبلا وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس (الفرنسية-أرشيف)

ياسر باعامر-جدة
 
فتح التصريح الذي أطلقه الرجل السياسي البارز في الأسرة السعودية المالكة أمير منطقة الرياض سلمان بن عبد العزيز قبل أيام، بشأن تمسك المملكة بمنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدفاع عنه، باكورة جدل ونقاش داخلي، كان موجودا بشكل أو بآخر خلال السنوات الخمس الماضية، حول مستقبل العلاقة ما بين المجال الديني (المؤسسة الدينية الرسمية) والسياسي، فيما يتعلق بموقف السلطات السعودية في المحفل السياسي الخارجي، خاصة بعد التوسع والانفتاح الملحوظيْن من قبل القيادة السياسية السعودية بعد تسلم العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز مقاليد الحكم في أغسطس/آب 2005.
 
وتعد حرب الخليج الثانية عام 1991 فاصلة تاريخية في خارطة السلفية السعودية لما خلفته من انقسامات حادة بين صفوف المدارس السلفية وصلت إلى حد العلن، خاصة فيما يتعلق بالقرار الرسمي الخارجي السعودي الذي غالباً ما يكون مغايراً للسياسة الداخلية.
 
ولفهم حالة "التداخل بين الديني والسياسي" في المملكة العربية السعودية، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي والشخصية اللبرالية البارزة الدكتور خالد الدخيل إن هناك تناغما متوازيا بين مشروع الدولة الخارجي للسلطات والسلفية التقليدية.

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن السلفية التقليدية تنطلق من التمييز بين رجل الدين ورجل الدولة، وبين المجال السياسي والمجال الديني للدولة، مشيراً إلى "وجود علاقة ترابط بين الجانبيْن، مع اتفاق معلوم بين الوهابيين التقليديين والدولة على أنه لا يجوز لأي طرف أن يتدخل في مجال الطرف الآخر"، كعرف معمول به منذ قيام المملكة.

أما بالنسبة لمن وصفهم الدخيل بالمنضوين في تيار الصحوة الإسلامية أو "السلفيين الحركيين"، فقد عمد هؤلاء -حسب الدخيل- إلى تلقيح سياسي/ديني جديد، وقفزوا فوق الترتيب النظامي السياسي القائم بأن أعطوا رجل الدين حق التدخل في المجال السياسي، وكانت بادرة هذه التدخلات ما جاء في مذكرة النصيحة التي قدمت في عهد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز عام 1992، وحوت مطالبات عديدة كان أبرزها بناء سياسة خارجية بعيدة عن التحالفات المخالفة للشرع.

نظرة براغماتية
وأوضح مراقب سياسي –فضل عدم الكشف عن هويته- للجزيرة نت أن السياسة الخارجية التي تسير عليها السعودية تتبع منظومة "المدرسة الليبرالية"، التي تتعارض في كثير من مواقفها مع الآراء الدينية السائدة، وهذا ما سعى إليه "منظرو السياسة الخارجية" لرسم صورة مغايرة عن الوضع الداخلي في السعودية.
 
اليافعي: المنعطفات السياسية الإقليمية والدولية محكومة بسمة الافتراق بين سلفية تقليدية رسمية وسلفية تحديثية إصلاحية   (الجزيرة.نت)
وفي سياق متصل، يؤكد الأكاديمي والكاتب السياسي الدكتور يوسف مكي أن "السلفية التقليدية" ممثلة في المؤسسة الدينية الرسمية ومن يدور في فلكها تمارس نوعاً من "البراغماتية" في التعامل مع النظام السياسي.
 
وأضاف أن السلفية التقليدية حريصة على مشروعيتها -التي استمدتها من رعاية النظام لها فترة طويلة- منوها إلى "وجود ضغط سياسي يمارس من قبل السلطات، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية"، يقابل أحيانا بـ"ممانعة سلفية" سرعان ما تتحول إلى "عنصر تأييد وغطاء ديني" واضح.
 
فعلى سبيل المثال، كان موقف السعودية الرسمي من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة غير معلن في إشارة إلى عدم رضا المملكة عن سياسة حماس لجهة عدم تمديد الهدنة مع إسرائيل، وخرجت المظاهرات منددة بالهجوم الإسرائيلي، إلا أن السلطات السعودية منعت ذلك.

ومع توتر الأجواء، خرج الرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى الشيخ صالح اللحيدان -وهو من الشخصيات السلفية التقليدية وعضو في المؤسسة الدينية الرسمية- ليصف "المظاهرات التي تقوم بها الجماهير في أقطار عدة من الدول العربية تنديداً بالعدوان الإسرائيلي على غزة بأنها فساد في الأرض".

التباين السلفي
ووفقاً للباحث السياسي نجيب اليافعي، هناك جملة من القضايا التي اختلفت فيها التوجهات السلفية -الرسمية أو التجديدية- السعودية في مواقفها تجاه القرارات السياسية الرسمية الخارجية، ومن أبرزها الموقف من مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله وأقرت في القمة العربية ببيروت 2002م، والموقف مما يسمى بالإرهاب.

"
اقرأ أيضا:

- التيار السلفي السعودي

- الرياض وواشنطن بين النفط والقاعدة

"

ويشير اليافعي -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن كل "المنعطفات السياسية الإقليمية والدولية التي تتطلب موقفاً سعودياً رسمياً ودينياً تبقى محكومة بسمة الافتراق بين سلفية تقليدية رسمية لا تخرج عما يرسم لها ضمن السياسة الداخلية والخارجية للنظام، وبين سلفية تحديثية إصلاحية تتماشى مع أغلبية الشارع العام وتلقى صعوبة في الوصول إلى أغلبية الرأي العام، لكنها في توسع مستمر، ويمكن لها أن تسحب الرصيد من المؤسسات الرسمية كلما اصطدمت توجهات النظام السعودي مع قضايا عقائدية ثابتة كالتطبيع مع إسرائيل".

ويستشهد اليافعي بحوار الأديان الأخير عندما أيد مفتي السعودية عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ دعوة الملك عبد الله إلى الحوار بين الأديان التي أطلقها بعد عدة أشهر من زيارته التاريخية للفاتيكان، إلا أن التزام كبار بقية علماء المملكة الصمت حيالها عكس عدم رضاهم عن هذه المبادرة ورغبتهم في تأجيل المواجهة الفعلية إلى وقت آخر.



المصدر : الجزيرة