محمود جمعة-القاهرة

استبق إعلاميون ومسؤولون عرب اجتماع اللجنة الدائمة للإعلام العربي الذي ستبحث فيه يوم الأحد المقبل مشروع إنشاء مفوضية للإعلام العربي، بالتأكيد على ضرورة ضمان الحريات والابتعاد عن محاولات فرض قيود على الإعلاميين في النظام الأساسي لهذه المفوضية.

وبينما أبدى الإعلاميون تخوفهم من تحول المفوضية إلى آلية جديدة لقمع الأقلام الحرة في الإعلام العربي لصالح الحكام وحكوماتهم، أكدت الجامعة العربية اقتصار دور المفوضية الجديدة على الاستشارة وتقديم النصح، وخلو نظامها الأساسي من أية آليات أو بنود تعاقب الإعلاميين ومؤسساتهم، كما أقرت الجامعة بوجود بعض التحفظات من جانب بعض الدول على بنود وردت في مشروع إنشاء المفوضية.

وقالت الجامعة العربية إن من المقرر أن يعرض مشروع النظام الأساسي للمفوضية بعد مناقشته في اجتماع اللجنة الدائمة على مدى أربعة أيام، على مجلس وزراء الإعلام العرب في دورته العادية رقم 43 في يونيو/حزيران المقبل، وذلك تمهيدا لإقرار المشروع في الدورة الاستثنائية للوزراء العرب المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.


إشكاليات
وقد اعتبر الكاتب المصري صلاح عيسى في تصريح للجزيرة نت أن الهدف من إنشاء هذه المفوضية غير واضح، وأن وجودها يضع عدة إشكاليات سواء ما يتعلق بأوضاع كل دولة عربية على حدة أو ممارسة العمل المهني، مضيفا أن المفوضية بوصفها ذراعا للجامعة العربية قد تتداخل في قراراتها مع السلطات المحلية داخل كل قطر عربي، خاصة أن الحريات المتاحة تختلف من بلد عربي لأخر.

أما الإشكالية الثانية, بحسب عيسى فهي أن الالتزام بمعايير مهنية محددة بصيغتها وتعريفها (ميثاق شرف) هو بالأساس أمر منوط بأصحاب المهنة ولا يجوز وضعه من قبل رسميين أو تنفيذيين.

وعبر عن اعتقاده أن الفراغ الناجم عن عدم وجود اتحادات أو مظلات نقابية للإعلاميين وصحفيي الإنترنت في الدول العربية على غرار نقابات الصحفيين, أعطى الفرصة لتدخل الوزراء العرب لتحديد معايير العمل المهني للفضائيات ومواقع الإنترنت.

ورفض عيسى القول بأن التدخل الوزاري العربي "مشبوه"، لكنه تحدث عن المخاوف التي تساور الكثيرين من أن يكون عمل المفوضية انتقاصا من الحريات وتضييقا عليها بدلا من الهدف المعلن وهو تعزيز التعاون الإعلامي العربي وحماية الإعلاميين العرب داخل وخارج أوطانهم.

عيسى: الفضاء العربي مليء بالتجاوزات المهنية (الجزيرة نت)
وأقر عيسى بأن الفضاء العربي خاصة التلفزيوني منه، مليء بالتجاوزات المهنية، مشيرا إلى تورط العديد من الفضائيات في صراعات شخصية وطائفية وسقطات مهنية.

لكنه قال إنه كان يأمل أن يأتي التحرك طواعية من الإعلاميين أنفسهم لا أن تفرض الحكومات واقعها عليهم, واستبعد عيسى مسألة الضغوط الخارجية في التحرك العربي الأخير من إنشاء وثيقة للإعلام العربي ثم التحرك نحو إنشاء المفوضية.

وقال إن الأمور طرحت في اجتماعات دورية لوزراء الإعلام العرب، وقال إن "ما يهم الآن هو الاعتراف بوجود مشاكل في الإعلام العربي تقتضي من الإعلاميين العرب تحمل المسؤولية والتحرك طواعية نحو التزام مهني وأخلاقي يغلق الباب أمام تدخل رسمي، سواء من السلطات المحلية داخل كل بلد أو من مؤسسات عربية".

تكميم
من جانبه، قال الخبير الإعلامي المصري الدكتور محمود خليل إنه "من الممكن أن يكون الهدف من إنشاء المفوضية هو تكميم الفضائيات العربية، خاصة أن هناك عددا كبيرا من الدول العربية تحاول تكميم بعض الفضائيات العربية التي تهاجمها كالجزيرة وغيرها من الفضائيات".

وحول العلاقة بين المفوضية وقرار الكونغرس الأميركي بمعاقبة الفضائيات العربية، قال خليل إن "العلاقة ممكنة، خاصة أن معظم القنوات التي تريد الولايات المتحدة وقف بثها مثل المنار والأقصى والعالم وغيرها تم إيقاف بثها على نايل سات، ومن ثم فقد آن الأوان لوقف بثها على عرب سات أيضا، وجامعة الدول العربية هي وحدها التي تملك إيقاف بث هذه القنوات".

وتساءل عن طبيعة عمل هذه المفوضية وصلاحياتها على القنوات الفضائية، وأضاف "حتى لو وضعت هذه المفوضية مجموعة لوائح وقوانين تشبه ميثاق الشرف الصحفي فإنه سوف يكون حبرا على ورق"، وقال إن "واقع الحال يقول إن جامعة الدول العربية لا تملك أي تأثير على أي قطر عربي، وقراراتها مجرد توصيات".

"
هدف المفوضية هو توثيق التعاون العربي وتقديم النصح والتوجيه، ولا تملك بموجب قانونها الأساسي حق التدخل أو المعاقبة
"
عبد المنعم

المفوضية والوثيقة
وبدوره، نفى المستشار ياسر عبد المنعم بالأمانة الفنية لمجلس وزراء الإعلام العرب بالجامعة العربية للجزيرة نت أن يكون مشروع إنشاء المفوضية قد تضمن بنودا أو آليات لمعاقبة الإعلاميين أو وسائل الإعلام المتجاوزة للمعايير المهنية المتعارف عليها.

وقال إن "هدف المفوضية هو توثيق التعاون العربي وتقديم النصح والتوجيه، ولا تملك بموجب قانونها الأساسي حق التدخل أو المعاقبة".

واعتبر أن هناك خلطا بين وثيقة تنظيم الإعلام العربي التي جرى الخلاف حولها وانتهى الأمر باعتبارها وثيقة استرشادية، وبين المفوضية الجديدة التي لا تعدو كونها هيئة استشارية تقدم الدعم المهني للإعلاميين ووسائل الإعلام المختلفة.

وقال إن "الوثيقة أثارت جدلا لأنها تضمنت بعض البنود الخاصة بالتنظيم قد يراها البعض مقوضة للحريات، لكن المفوضية هدفها واضح وهو تعزيز مناخ الحريات وتطوير الخطاب الإعلامي العربي وحماية الإعلاميين العرب ومؤسساتهم".

ورفض عبد المنعم القول بأن الجامعة أغفلت دور الإعلاميين والمهنيين عند صياغة مشروع تشكيل المفوضية، وأشار إلى أن اجتماعا مقررا الأحد القادم للجنة الدائمة للإعلام العربي سيناقش مشروع النظام الأساسي للمفوضية بمشاركة خبراء قانونيين وإعلاميين من الدول العربية والمؤسسات الممارسة لمهام إعلامية.

ونفى المسؤول بالجامعة العربية ما يردده البعض من أن التوجه العربي لتشكيل مفوضية للإعلام جاء استجابة للضغوط الخارجية، وبالتوازي مع مشاريع قوانين تجرى مناقشتها حاليا في برلمانات غربية لمعاقبة الفضائيات العربية التي تناهض قوى الاحتلال وتدعم المقاومة.

وأوضح أن المهام الأساسية لإنشاء المفوضية هي تحديث منطلقات خطاب الإعلام العربي، وضمان مستوى عال من الموضوعية فى محتواه، سعيا لكسب ثقة المواطن العربي، وإرساء لمصداقية هذا الخطاب لدى الرأى العام الدولي، وتشجيعا للمواطنين على المشاركة الإيجابية في العملية السياسية والتنموية، والتوافق مع التحرك نحو تحقيق مزيد من الديمقراطية والحريات السياسية والاجتماعية فى الوطن العربي.

كما تهدف المفوضية -يضيف عبدالمنعم- إلى التشجيع على ممارسة الانفتاح على العالم الخارجي والتفاعل معه، وتحقيق مستوى عال من اليقظة والسرعة بالتوضيح السريع ورد الفعل المتناسب مع كل ما ينشر ويذاع عن العالم العربى وقضاياه، وكذلك تعزيز احترام المبادئ المهنية الأساسية في كافة أشكال العمل الإعلامي ومراحله.

المصدر : الجزيرة